جريدة الجرائد

فشل واشنطن في ليبيا تفضحه تصريحات السفير

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يرى سفير الولايات المتحدة ومبعوثها الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند مانعا من إمكانية تنظيم انتخابات في ليبيا تحت سلطة حكومتين متنافستين، وهو ما يعني إمعانا في السياسات العشوائية التي تمارسها واشنطن في المنطقة، والتي لا تنتج غير ديمومة الصراع بما يخدم مصالحها ومصالح الجماعات الفاسدة التي تدور في فلكها كما هو حاصل في العراق، أوقد تفرز في الأخير مسارا مناقضا لمخططاتها كما حدث في أفغانستان.

تبدي واشنطن استعدادها للتعامل مع حالة الانقسام الحكومي في ليبيا، رغم إدراكها أن حكومة عبدالحميد الدبيبة قد انتهت ولايتها وانتفت شرعيتها ليس فقط بعد أن حجب مجلس النواب ثقته عنها منذ سبتمبر الماضي، أو بعد أن كلف فتحي باشاغا بتشكيل حكومة جديدة ومنحه ثقته في مطلع مارس، ولكن، وهذا الأهم، بعد انتهاء أجل خارطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي في الحادي والعشرين من يونيو لتصبح بذلك حكومة خارج سياقات المرحلة والحلّ والوحدة الوطنية، وجزءا من المشكلة بدل أن تكون جزءا من أي مشروع لتجاوز الأزمة وطي صفحة 11 عاما من الصراع القائم على ثلاثية السلطة والثروة والسلاح.

صمت واشنطن على ما يدور في طرابلس من تمسك بالحكم من خارج الشرعية، ومن فساد يزكم الأنوف طال جميع مؤسسات الدولة، ومن استمرار سلطة الميليشيات ونفوذ القوات الأجنبية والمرتزقة، لا يبرره إلا أنها غير مهتمة بمصلحة الشعب الليبي، وأنها تعمل فقط على فرض سلطة من يبدون لها الولاء والطاعة والتبعية ولو كانوا من كبار لصوص المال العام أو من أمراء الحرب المفلتين من العقاب. بمعنى آخر هي لا تعاقب وتحاصر وتحارب إلا من تعتقد أنه قد يقف ضد أهدافها ومصالحها، وهو أمر معلوم على صعيد الدول كما على صعيد الأفراد، ويتجسد في ليبيا بشكل سافر منذ العام 2011 وحتى من قبل ذلك بكثير.

جاء موقف السفير الأميركي ليؤكد على أن بلاده لا تمتلك رؤية ناجعة للحل في ليبيا، كما كانت دائما في أغلب دول المنطقة، حيث أنها قوة قرار قبل أن تكون قوة اقتراح، وقوة نفوذ دون أن تكون قوة حكمة

جاءت تصريحات السفير الأميركي لتكريس حالة الانقسام في ليبيا، وقد كشفت أن بلاده تعترف ضمنيا بشرعية حكومة باشاغا، ولكنها في ذات الوقت لا تستطيع التفريط في حكومة الدبيبة، ولذلك فهي ترى أنه من الممكن أن تحافظ حكومة طرابلس على نفوذها في شمال غرب البلاد، مقابل سيطرة الحكومة المنبثقة عن مجلس النواب على مناطق الشرق والجنوب وبعض مناطق الوسط، ومن خلال ذلك على أهم منابع الثروة النفطية، ليتم لاحقا إقرار آلية توزيع عائدات الثروة وفرضها على محافظ البنك المركزي الذي لا يستطيع التنكر لدور واشنطن في بقائه في منصبه دون أن ينازعه أحد على ذلك.

كان على السفير الأميركي أن يدرك أن مبررات وجود حكومتين تتنافسان على حكم البلاد، هي ذاتها مبررات ديمومة الصراع والفشل في توحيد مؤسسات الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية وتوفير الضمانات لتنظيم الانتخابات والاعتراف بنتائجها، وأن تنظيم الاستحقاق في وجود الحكومتين يعني الذهاب بليبيا إلى التقسيم الفعلي، ولاسيما أن لكل حكومة ثوابتها ورموزها وقواتها الأمنية والعسكرية ومصالحها الإدارية وقراراتها ومواقفها ورؤيتها للحل.

وقد يتكرم السفير الأميركي بالإجابة عن هذا الأسئلة البسيطة والتي قد يطرحها أيّ متابع للوضع في ليبيا: ماذا سيكون موقف حكومة الدبيبة مثلا لو أن خليفة حفتر ترشح وفاز في نطاق نفوذ حكومة باشاغا؟ وماذا لو حدث الأمر ذاته لسيف الإسلام القذافي؟ وهل يمكن للمناطق الخاضعة لحكومة سرت وبالتالي لنفوذ الجيش الوطني أن تقبل بإعلان طرابلس عن فوز أحد المحسوبين على الإخوان أو الجماعة المقاتلة أو الميليشيات برئاسة الدولة مثلا؟ وقبل ذلك، كيف سيتم التوافق على قانون انتخابي لا يحظى بقبول الجميع من حيث أنه نصّ فقط، ولكن، كذلك بالتسليم بما يفرزه من نتائج؟ وكيف سيتم توفير الترتيبات الأمنية لإجراء الحملات الدعائية للمترشحين الرئاسيين؟ ومن سيضمن استقلالية المؤسسات المركزية والحكومية التابعة لهذه الحكومة أو تلك؟ ومن سيجعل حكومة باشاغا مثلا تقبل بوجود الإدارة المركزية للهيئة الوطنية للانتخابات في حيز نفوذ حكومة الدبيبة أم إنه سيتم تشكيل هيئتين كل منهما مستقلة عن الثانية؟

لقد جاء موقف السفير الأميركي ليؤكد على أن بلاده لا تمتلك رؤية ناجعة للحل في ليبيا، كما كانت دائما في أغلب دول المنطقة، حيث أنها قوة قرار قبل أن تكون قوة اقتراح، وقوة نفوذ دون أن تكون قوة حكمة، وقوة هيمنة قبل أن تكون قوة مساعدة على تجاوز الصراعات، وكل ما يحرّك توجهاتها الحالية في البلد العربي الثري في شمال أفريقيا هو العمل على استغلال المقدرات لفائدة أصحاب المشاريع الفردية والفئوية من الجانبين، والتصدي للدور الروسي المتنامي في المنطقة. أثبتت الأيام أن مواقف واشنطن المتعلقة بالوضع الليبي بدأت مندفعة من دون وعي قبل 11 عاما وانتهت مهتزة ومضطربة من دون أفق، وهي لا تعد بإيجابية في مغادرة دائرة الصراع.

سياسات الدول الغربية عادة ما تصنعها مؤسسات، ولكن تلك المؤسسات وراءها أشخاص لديهم مصالح ويمكن عقد صفقات معهم لخدمة أهداف بعينها، وفي السنوات الماضية بات واضحا أن مؤسسات سيادية في أكبر البلدان الديمقراطية تم اختراقها من قبل قوى تتحرك في منطقتنا تحت شعارات مختلفة مثل الحرية والليبرالية والعدالة والتداول السلمي على السلطة والالتحاق بقافلة العالم الحر، وتستعمل الثروات الطائلة لشراء الذمم والمواقف لخدمة أجنداتها الخفية، وقد كان لها دور أساس في الأحداث التي عصفت بالدول العربية خلال السنوات الماضية، وفي محاولة استهداف دول أخرى.

صمت واشنطن على ما يدور في طرابلس من تمسك بالحكم من خارج الشرعية.. لا يبرره إلا أنها غير مهتمة بمصلحة الشعب الليبي، وتعمل فقط على فرض سلطة من يبدون لها الولاء والطاعة

وبقليل من الانتباه، ندرك أن الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة، فقدت الكثير من قدراتها السابقة في إدارة الملفات الشائكة، ولم يعد لديها من الحكمة ما يساعدها على فهم مجريات الأحداث، وهي اليوم بازار مفتوح لمصالح اللوبيات العابرة للحدود والتي تتحرك وفق حسابات أفراد يستغلون أزمات الدول الأخرى كأسواق لتحقيق أهدافهم، ولذلك فإن صانعي القرار الليبي عادة ما يطرقون أبواب شركات العلاقات العامة الأميركية لتلميع صورهم والترويج لأنفسهم، وهم على قناعة بأن الجاهزين للدفع سيجدون بالتأكيد من يدفع بهم إلى صدارة المشهد، وأن كل ما يقال عن مؤتمرات وندوات وملتقيات ومفاوضات ومشاورات وقرارات ومؤسسات سيادية وبرلمانية وحكومية وغيرها لا يتجاوز أن يكون لغوا للاستهلاك اليومي.

لا شيء من مخرجات مؤتمري برلين مثلا تحقق على أرض الواقع، وبالأخص تلك المتعلقة بإجلاء المقاتلين الأجانب والمرتزقة وحل الميليشيات وجمع السلاح، ولا اتفاق أبوزنيقة حول توزيع المناصب السيادية وجد من ينفذه، ما عدا البند المتعلق بمنصب النائب العام، ولا قرارات مجلس الأمن قابلت من يطبقها عمليا ولاسيما فيما يتصل بأمراء الحرب الذين لا يزالون يتصارعون دون رادع، ولا انتخابات الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي تم تنظيمها في موعدها، وعندما نبحث عن السبب سنجد أن واشنطن ولندن كانتا تخشيان من وصول سيف الإسلام القذافي أو خليفة حفتر إلى رئاسة البلاد، وهما في الأصل تراهنان على من لا يلتفت شرقا نحو موسكو ، ومن لا يفكّر في بسط سيادة الدولة وتحصين مقدراتها ، ولكن على من يبدي استعدادا للتبعية والتفريط في القرار الوطني والانضمام إلى صفوف القطيع الدولي الذي ينزع نحو توسيع مساراته.

حديث السفير عن إمكانية تنظيم الانتخابات تحت سلطة الحكومتين، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن القرار الرسمي الأميركي يسير باتجاه المزيد من الفشل والعجز في إدارة الملف الليبي، وأن تشابك مصالح بعض صانعي القرار في واشنطن مع نظرائهم في طرابلس يزيد من ترجيح كفة تأبيد الأزمة، ولاسيما أن الطرفين يتحركان تحت غطاء مهم وهو ضمان السيطرة على الموارد المالية والاقتصادية سواء كانت جارية أو مجمدة بوضع اليد على مركز النفوذ المصرفي والذي لا يحتاج إلا إلى تأمين عودة تصدير النفط بسابق نسقه ليحقق كل طرف أهدافه ما عدا الشعب الليبي وقواه الوطنية والاجتماعية الحقيقية المهمشة والمحكوم عليها بأن تكتفي بمراقبة ما يدور أمامها إلى أن يأتي ما يخالف ذلك.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف