جريدة الجرائد

لكنه بنى البلاد

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ذهبت إلى بوخارست، عاصمة رومانيا، مرة ولم أحبها، وكتبت عن ديكتاتور البلاد، نيكولاي تشاوشيسكو، قبل وبعد سقوطه، من دون أي تعاطف. كانت سمعة الحاكم الفظ أشبه بسمعة ستالين. وكانت صورة زوجته إيلينا كاريكاتيرية من دون إضحاك، صورة امرأة منحت نفسها شهادة الدكتوراه في الكيمياء بالسهولة التي تتبضع بها قبعات الفراء في باريس.
قبل سقوط تشاوشيسكو بقليل التقيت طبيب أسنان لبنانياً تلقى دروسه في رومانيا، وسألته عن انطباعه عن حقيقة الحياة هناك. قال لا وجود للحرية، لكن الرجل كان محبوباً والبلاد كانت آمنة، والعمل مؤمن، والبطالة لا وجود لها، وكان التعليم المجاني مؤمناً وأسعار السلع مضبوطة... إلخ.
ثم سقط، تشاوشيسكو في انهيارات جدار برلين وأقيمت له محاكمة صورية محزنة أعدم في نهايتها هو وزوجته. وكتبت في متابعة الأحداث يومها مقالات عدة، خلت كلها من محاولة إعادة النظر في إرث الديكتاتور.
التقيت خلال تلك الفترة سيدة أعمال رومانية في حفل عربي في أحد فنادق لندن. وسألتها إن كانت الأوضاع أفضل مما كانت عليه أيام تشاوشيسكو. قالت، كل شيء سيئ الآن. الاقتصاد رديء، والفساد مزدهر، والفقر كثير، والبطالة عديدة، والضمانات جميعها سيئة.
قبل أيام تعرفت عند صديق لي على طبيب روماني شاب. وقلت له، أعرف أن هذا السؤال يطرحه عليك جميع الناس: ما هو رأيك في مرحلة تشاوشيسكو؟ كانت سرعته الحماسية في الإجابة لا تحتاج إلى المزيد. قال إنه الرجل الذي بنى المؤسسات والجامعات وشبكات الطرق وأسس رومانيا الحديثة، وأكثر من حافظ على الاستقلالية بين زعماء أوروبا الشرقية، ومن بعده بدأ الانهيار الاقتصادي، وانهارت الحياة الاجتماعية. وبعدما كنا دولة متميزة بين بلدان الكتلة الشيوعية، أصبحنا في أسفل السلم. أو السلالم.
ماذا أريد أن أقول؟ لا شيء. ولا حتى أن أعتذر. لكن في كل ما كتبت عن رومانيا، أو من بوخارست، لم يكن موضوعياً. ولا مهنياً. لقد ذهبت إلى رومانيا وأنا أحمل معي مجموعة مواقف مسبقة مستندة إلى مصادر غربية غير محايدة. وبسبب شغفي بمسألة الحرية، لم أحاول - كما تفترض المهنة - أن أفتح أذني أو صدري إلى ما يقوله المحايدون، أو محبو رجل لعب دوراً تاريخياً في حياة بلاده.
طبعاً لم يكن هناك كذب، أو مغالاة في أي كلمة كتبتها، لكنني تغافلت عن الحقائق الأخرى، وتغافلت عما فعل الذين جاءوا بعده من سوء. كان قد بنى أسس رومانيا، لكنهم لم يبنوا شيئاً يذكر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
كل كتاباتك تستحق القراءة
زارا -

شكرا للكاتب. اولا، الموضوع مهم جدا جدا، ثانيا، شكرا لإعترافك بأنك لم كنت مخطئا في عدم النظر الى كل النواحي، هذا الاعتراف شجاعة كبيرة منك تستحق كل التقدير.المشكلة ليس في ايلاء مسألة الحرية اهمية كبرى، السمألة تكمن في ان اغلب الناس، حتى الكتاب، وخاصة في الشرق الأوسط، يقدسون النظريات في الوقت الذي يجب ان تكون الحقائق مقدسة. عند تقديس اي فكرة او نظرية، لا يفكر الإنسان في النظر الى كل الحقائق، بل يختار منها ما تناسب فكرته المقتنع بها مسبقا، لأنه يصاب بالارتباك العقلي ويتعب تفكيره عندما يرى حقائق لا تتناسب مع فكرته وايديولوجيته، والأنسان المسلم بطبعه كسول جسميا وعقليا ولا يطيق التفكير عامة ويفضل اخذ الأشياء جاهزة.لقد قالها الأمام محمد عبده بفترة طويلة: المستبد العادل هو الحل للنهوض بالبلدان التي تحتاج للتطور والنهوض. المستبد العادل غير الدموي. اي ان الديكتاتورية غير المفرطة، والتي هي ليست ديكتاتورية في الحقيقة بل حزم في حدود معقولة، هي التي تضبط الأمور وتنهض بالشعوب. ومثل هذه الديكتاتورية لا بد ان تسبق الديمقراطية الحقيقية، والأخيرة يجب ان تكون بحدود ايضا.لقد قيل ان الديمقراطية مع الجهل تنتج فوضى، ولكن ال"ديمقراطية" التي تأتي فجأة بدون تدريج، تنتج فوضى.