جريدة الجرائد

قمة سمرقند: بوتين اليتيم في مأدبة اللئام!

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ذهب الرئيس فلاديمير بوتين الى العاصمة الأوزبكية للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي اقيمت بنهاية الأسبوع الفائت وفي حساباته ان يعزز من وضعيته كعضو رئيسي ويجتذب تأييدا حاسما في معركته مع الغرب حول أوكرانيا من شركائه الثمانية ( الصين ، الهند ، كازاخستان قيرغيزستان، باكستان،طاجيكستان، أوزبكستان) وقد انضمت اليهم ايران في هذه القمة بعد قبول طلبها الانضمام الى المنظمة، فيما تنتظر تركيا بصفتها عضواً مراقباً قبول طلبها الانضمام خلال بضعة اشهر. وقد كانت لقاءات للرئيس الروسي في سمرقند على هامش القمة، مع العديد من القادة المشاركين. انما لقاءان تميزا عن بقية اللقاءات التي أجراها بوتين الآتي من موسكو في توقيت سيئ لروسيا بعد الانتكاسات التي تعرض لها جيشها في حربه في أوكرانيا على جبهة مدينة خاركيف.

فنجاح القوات الأوكرانية بتحرير مساحات واسعة من الأراضي التي احتلتها روسيا خلال اجتياحها بلغت حوالي ثلاثة آلاف وخمسمئة كيلومتر مربع، وانسحاب القوات الروسية غير المنظم، والذي كاد أن يشبه الاندحار، أثرا سلبا على صورة الرئيس الروسي المعتد بنفسه في العادة، والذي اعتاد ان يجعل القادة الذين يلتقيهم يشعرون بأنه يخاطبهم من فوق، هذا ان لم يجعلهم ينتظرون بضع دقائق قبل أن يدخل غرفة الاجتماعات. وقد بدا الأثر على اكثر من مستوى، لا سيما ان القوى المجتمعة في سمرقند هي قوى انتهازية بمعنى ان تضامنها مع روسيا ليس اكثر من تضامن ظرفي، مصلحي، آني يهدف الى إقامة توازن مع الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة. وهذا الجمع في سمرقند الذي وقف بغالبيته في الوسط على اثر شن موسكو الحرب على أوكرانيا، بدا يتلمس علامات الضعف في الحملة الروسية، واستطرادا في الوضعية الروسية بشكل عام. فرؤية بوتين مندحراً من شرق أوكرانيا، أظهرت حدود قوته العسكرية التقليدية، والأهم حدود قدراته على التدخل في الخارج في حروب ذات طبيعة استعمارية قديمة، لا سيما ان الجيش الروسي المصنف على الورق كثاني اقوى جيش في العالم بعد الجيش الأميركي، لم يثبت انه على مستوى الحروب بسلاح تقليدي، وانه قادر على خوضها بكفاءة قتالية حديثة، او بأسلحة مضاهية بمستواها التكنولوجي للسلاح الغربي. هكذا يمكن القول ان الحرب في أوكرانيا كانت مناسبة لانكشاف الجيش الروسي وإبراز نقاط ضعفه العديدة. الأهم ان مظاهر القوة والاعتداد بقوة الجيش الروسي وقداراته القتالية انهارت بشكل او بآخر في حرب مع دولة متوسطة الحجم و القوة العسكرية، حيث تحولت الدعاية التي وزعتها الماكينة الروسية عن حرب قصيرة ومحدودة المدة تحسم خلال أيام معدودة الى حرب استنزاف تدوم منذ حوالي سبعة اشهر.

في قمة سمرقند لمس شركاء فلاديمير بوتين أنه في وضعية مزعزعة . ففي اللقاءين الابرزين له على هامش القمة، الأولى مع الرئيس الصيني شي جينبينغ والثانية مع الرئيس الهندي ناريندرا مودي بدا الرئيس الروسي وكأنه يحاول أن يخفف من قلق البلدين الكبيرين تجاه نتائج الحرب التي شنها على أوكرانيا. والأهم في ما يتعلق بالتساؤلات المطروحة والشكوك التي تزايدت مؤخرا. فاللقاء مع الرئيس الصيني تميز بكلمة القاها بويتن في البداية عندما خاطب شي جينبينغ قائلاً انه يتفهم التساؤلات والقلق الصيني بشأن تطورات الحرب في أوكرانيا وانه مستعد للإجابة عنها كلها. كان هذا الكلام علامة على وجود مداولات عديدة بين القياديتن الصينية والروسية بشأن الحرب التي دعمت خلالها بكين الموقف الروسي ملقية باللائمة على الغرب ولا سيما الولايات المتحدة في التسبب بالحرب.

وكانت الصين قدمت لروسيا دعما لفظيا دون ان تتورط معها في الحرب على المستوى العسكري لكنها رفعت الى حد كبير من نسبة المبادلات التجارية بين البلدين وتحديدا في ما يتعلق بواردات النفط والغاز الطبيعي الروسي الذي تبين ان الصين اعادت تصدير قسم منه الى أوروبا بأسعار أعلى. ولا بد من الإشارة الى ان الرئيس الصيني استبق وصوله الى سمرقند للمشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بزيارة قام بها الى كازخستان التقى خلالها بالرئيس الكازاخستاني قاسم توكاييف حيث ادلى بموقف لافت تضمن التزاما من الصين بحماية وحدة وسلامة و حرية كازاخستان من كل تدخل خارجي، وفي ذلك اشارة ضمنية الى المخاوف الكازاخستانية من الأطماع الروسية في بلد يمثل الناطقون بالروسية اكثر من عشرين في المئة من عدد سكانه ويقطنون المناطق الشمالية للبلاد. وقد ايقظت حرب روسيا في أوكرانيا مخاوف معظم الدول المحيطة بروسيا، لا سيما الدول التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق . ويمكن القول ان موقف الرئيس الصيني هو بمثابة إشارة صينية الى بوتين من ان منطقة وسط آسيا يجب ان تبقى بمنأى عن أطماع موسكو التوسعية. هذا الامر يزيد من اضعاف وضعية روسيا كقوة كبرى، ويأتي كنتيجة لتقديرات الحلفاء بأن الأخيرة قد أخفقت وأظهرت حدود قدراتها.

في اللقاء الثاني مع رئيس الوزراء الهندي، كان لافتا ان يوزع مكتب مودي الإعلامي كلاما له ، يقول فيه بالحرف الواحد لبوتين: "هذا ليس زمن الحروب، هذا زمن الديموقراطية والدبلوماسية والحوار". و قد وزع المكتب إياه كلاما عن لسان فلاديمير بوتين يقول فيه لمودي: "اتفهم أسئلتكم ومستعد للإجابة عنها وتبديد مخاوفكم" . كما انني ملتزم بإنهاء الأزمة بأقرب وقت ولكن الطرف الآخر لا يريد التفاوض.

بدا الكلام الذي جرى توزيعه في عمقه شبيهاً بما ادلى به بوتين امام الرئيس الصيني، لناحية ان الحلفاء ( الهند آثرت البقاء على الحياد مع رفع مبادلاتها التجارية لاسميا في الطاقة) يطرحون تساؤلات حول مدى صوابية القرار الروسي في شن حرب كان من المفترض ان تنتهي خلال أيام، واذ بها تدوم اشهراً طويلة. و قد بدا كلام الرئيس الهندي اقرب الى الانتقاد، وبعض المراقبين يعتبره تأنيباً، لا سيما بقوله لبوتين "هذا ليس زمن الحروب"!.

لقد كانت مشاركة الرئيس فلاديمير بوتين في قمة سمرقند بالتزامن مع انتكاسة الجيش الروسي على جبهة خاركيف اوبلاستةانتكاسة دبلوماسية شخصية له، وخصوصا ان الدعم الصيني بدا اكثر انتهازية واقل حماسة من ذي قبل ( في اللقاء الأخير قبل أيام من شن الحرب في شهر شباط -فبراير الماضي أشار البيان المشترك للزعيمين في بكين الى "صداقة بلا حدود"). ويتبين بالرغم من إشارة بيان صيني حول اللقاء الأخير الى حماية المصالح المشتركة، أن بكين أصبحت لها اليد العليا في العلاقة الثنائية مع موسكو. والادهى ان شركاء موسكو في منظمة شنغهاي للتعاون لاسيما الدول التي كانت في ما مضى جمهوريات في الاتحاد السوفياتي السابق هي الأكثر تحفظا على العقلية السائدة في الكرملين التي تعود الى زمن الحروب الاستعمارية في القرن التاسع عشر. من هنا قولنا إن بوتين ربما شعر في قمة سمرقند انه كان أشبه باليتيم في مأدبة اللئام !

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف