جريدة الجرائد

هرم "البونزي" اللبناني: كان صرحاً من خيالٍ فهوى!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه لبنان اليوم وصولاً إلى الاقتحامات شبه اليومية لفروع المصارف، أساسه تدهور المالية العامة المتواصل منذ 2001 (جزئياً مع فشل مؤتمرات باريس 1 و2 و3)، وتراجع سعر صرف الليرة بالدولار الأميركي من 1500 ليرة إلى ما يفوق ثلاثين ألفاً اليوم. وطبعاً لا ينبغي التقليل من عوامل عدم الاستقرار السياسي وتفجير المرفأ ووباء كورونا. وكانت عاقبة تدهور المالية العامة وانحدار العملة وخيمة على المواطنين الذين وقعوا بأغلبيتهم ضحية حالة معيشية قاسية. فعاش لبنان سنوات من بحبوحة كاذبة فقعت كبالون في تشرين الأول أكتوبر 2019، حيث تعثّرت المصارف التجارية فوراً ليلحقها هبوط في العملة الوطنية. ومع هذه الانهيارات السريعة تبيّن أنّ النظام السياسي اللبناني كان يلحس المبرد، وأن الشعب كان ضحية نظام "بونزي" (هرم مالي) هزيل كان صرحاً من خيال فهوى.

حقيقة هرم بونزي
فكرة الهرم المالي ليست كفكرة اكتشاف البارود أو كما يقولون بالانكليزية ليست rocket science، بل هي فكرة ساذجة اخترعها مهاجر إيطالي فقير لا يحمل أي شهادة ويدعى كارلو بونزي Carlo Ponzi، هاجر إلى أميركا عام 1903 ثم انتقل إلى مونتريال في كندا حيث عمل في فرعٍ لبنك إيطالي وتعلّم شغل البنك بذكائه الفطري، ولكن ليس كمَن يحمل شهادة إدارة أعمال بل كمَن يعمل في دكان إسكافي وتعلّم مصلحة ترميم الأحذية. ثم أخذ بونزي هذا يهمس للزبائن باللغة الايطالية أو بلغة إنكليزية بلكنة إيطالية أنّ البنك الذي يعمل به يدفع لهم 3 بالمئة على ودائعهم، فيما هو يستطيع شخصياً أن يؤمّن لهم نسبة فائدة/ربحية تصل إلى 50 بالمئة خلال شهرين. فصدّقه بعض الزبائن ومعظمهم من أبناء الجالية الإيطالية وأخذوا يودعونه أموالهم الضئيلة. ومع الوقت كثر عددهم وخاصة الميسورون منهم الذين رأوا أنّ مَن سبقهم ووثق بكارلو بونزي قد حصل بعد 60 يوماً على نسبة ربح مغرية، حتى إنّ البعض طلب من بونزي أن يحتفظ بمالهم ليوظفوه معه مرّة أخرى.

وطبعاً كان بونزي يسدّد الربح الوهمي بمال يأتيه من زبائن جدد أو من زبائن قدامى أعادوا "توظيف" أموالهم معه، عملاً بطريقة "اسرق من بولس لتدفَع لبطرس"، محتفظاً لنفسه بآلاف الدولارات التي أخذ ينفقها على نفسه وعلى عائلته وأصدقائه. ولكن استمرار هرم كارلو بونزي لم يكن مضموناً، إذ بعد سنوات فاقت نسبة الأموال التي عليه تسديدها تلك التي كان يقبضها من الزبائن. وتقلّص المبلغ الذي يحتفظ به لنفسه حتى بات ضئيلاً للغاية. فأعلن إفلاسه وترك كندا وعاد إلى أميركا عام 19011 حيث افتتح شركة "محترمة" هذه المرّة تمارس نفس الاحتيال الهرمي. إلا أنّ شركته انكشفت سريعاً أمام القوانين الصارمة في ولاية نيويورك.

وكان سبب انكشافه السريع أنّ المبالغ التي أودعها الزبائن لدى شركته كانت كبيرة وصلت إلى 20 مليون دولار، ومعظمها استدانها زبائنه من بنوك شرعية في ولاية نيويورك بهدف الاستفادة من الفارق في الفائدة. وإذ طالبت البنوك بمستندات إضافية من زبائنها واستعادة القروض لأسباب مختلفة، تكرّرت السحوبات وعجز كارلو بونزي عن الدفع، فألقت الشرطة الأميركية القبض عليه وحُكم بالسجن 25 عاماً ثم طردوه من البلاد ليعود إلى إيطاليا عام 1934.

بعدما فهمنا هرم بونزي، ندرك أنّ ما حدث في لبنان من 1997 إلى 2019 تحت عنوان "هندسات" ووعود بفوائد مرتفعة راكمت ودائع العموم من مقيمين ومغتربين وعرب ليس فيه أي عبقرية، بل إنّ انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 عرّت القطاع المصرفي اللبناني ومَن وراءه، حيث انفجر كبالون بونزي كبير وتهاوى من جراء سحوبات غير مسبوقة. وسقط عشرات آلاف المواطنين ضحايا هذه الخدعة، ظنّاً منهم أنّ قانون غبّ الطلب هو المعمول به وأنّ مالهم المودع رهن إشارتهم. وفي هذا درس آخر من هرم بونزي هو تواطؤ المودعين مع بونزي في لعبة لا مستند علمياً اقتصادياً أو مالياً لها وفي هذا جنت على نفسها براقش.

تعثّر المصارف اللبنانية
لكارلو بونزي أحفاد تكاثروا في لبنان حيث وصلوا إلى مناصب عليا في الدولة وفي القطاع المصرفي منذ 1995 على الأقل. وباتت المصارف التجارية تعدّ بالعشرات. فكانت البيئة مناسبة لولادة هرم بونزي ائتماني ضخم جذب المال الأجنبي واللبناني بنسبة فوائد أعلى من كل دول العالم. واستثمرت المصارف حصة الأسد من ودائع الزبائن في سندات خزينة لبنانية بفوائد أعلى من التي تدفعها للودائع، على أساس فرضية أنّ مدفوعات أي بنك للزبائن تبقى أقل بكثير من الأموال الداخلة أو تلك المجمدة يضاف إليها رسوم خدمات بنكية باهظة. كان كل شيء بخير، فتكاثرت النياشين والجوائز.

إنّ سبب الوضع الكارثي للمالية اللبنانية والنقد اللبناني والبادي للعيان منذ خريف 2019 هو تجاهل السلطات المالية والنقدية في لبنان لتداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008-2009. فإلى جانب الفساد الرسمي المعروف، كان أسلوب مصرف لبنان في العمل سطحياً لا علاقة له بحِرفية المصارف المركزية في الدول الغربية، بل حضرت الادعاءات بأن أعجوبة ما قد حصلت وأنّ لبنان &- وهنا المهزلة &- كان معفى من تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008. والحقيقة أنّ الفوائد المرتفعة زيفاً سترت العورة، لحقتها هندسات هي عبارة عن تلاعب بالفوائد والوادئع بين مصرف لبنان والبنوك جلبت أرباحاً لأصحاب المصارف. فكان المصاب بالسرطان يُخفي المرض بكميات المساحيق والمكياج والشعر الاصطناعي فيما بقي له وقت قصير ويموت. إنّ السياسة النقدية في لبنان التي تبعها مصرف لبنان والقطاع المصرفي كانت مجرّد فليم كوميدي من أفلام عادل إمام عن عملية احتيال محكوم عليها سلفاً بالانهيار في دولة الهرم المالي، لأنّ هذا الهرم كان مهدّداً في أي لحظة يصبح فيها تدفق رأس المال الجديد أقل من مبلغ الفائدة التي يتعيّن دفعها للمودعين، فدمّر الهرم نفسه بنفسه.

كان واجب أصحاب البنوك التجارية التمسّك بالقانون وبمهام المصرف التجاري في دعم نموّ اقتصاد حقيقي في لبنان يشجّع الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة. ولكن وهنا المصيبة، هم استغلوا حجم الودائع الهائل وانصرفوا إلى تحقيق الربح السريع لإثراء أنفسهم من الفوائد المرتفعة على سندات خزينة الدولة اللبنانية وبتوسّع الفروع في لبنان والدول العربية والأوروبية بدون تخطيط أو دراسة جدوى. فانتهى أصحاب هذا القطاع لا إلى حالة تعثّر مخيفة بل إلى أنّهم تجاهلوا لعب دور حقيقي في الاقتصاد يعزّز الصناعة والزراعة وباتوا قطاعاً فاشلاً في بلد يعجز عن إطعام نفسه ويشتري كل شيء تقريباً من الخارج.

عندما اندلعت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، انكشف الوضع الهش للنظام المصرفي اللبناني الذي كان قد منح قروضاً للعموم بلغت 40 مليار دولار واشترى سندات خزينة من الدولة اللبنانية بلغت 70 بالمئة من مجموع الدين العام، منها 30 مليار دولار في شهادات إيداع لدى مصرف لبنان و34 مليار دولار سندات خزينة. وفقدت المصارف ثقة العموم حيث جرت سحوبات ضخمة بالدولار BANK RUNوتراكمت مليارات في المنازل وخزانات المطبخ وغرف النوم داخل لبنان، كما خرج أو تم تهريب مليارات دولارات أخرى إلى الخارج. وبتراجع ثقة المودعين والعموم، تراجع دفق الرساميل السائلة، فكان طبيعياً أن تقفل المصارف أبوابها، وهذا في علم الاقتصاد هو التعثّر بعينه وتوصيفه هو أنّه مخالفة صريحة لقانون النقد والتسليف تجرّمه المحكمة التجارية التي واجبها أن تُلزم البنك التجاري بدفع الوديعة غب الطلب ON DEMAND أو خلال فترة زمنية عند استحقاقها من التجميد أو باتفاق بين المودع والبنك، وليس اللجوء إلى كابيتال كونترول عشوائي لم يقرّه البرلمان في قانون، أو هيركات HAIRCUT غير عادل يسرق قسماً من الوديعة ويدفع قيمة شيكات الدولار إلى 20 بالمئة من قيمتها.

ما كان يفعله القطاع المصرفي لم يعد يجلب الربح. بل إن الودائع في جميع أنحاء العالم، لم تعد تجلب الفائدة. والقطاع المصرفي اللبناني محكوم عليه بالانكماش إلى قطاع صغير يخدم اقتصاداً هبط ناتجه السنوي بنسبة 60 بالمئة (من 55 ملياراً إلى 18 مليار دولار) ولن يكون مستغرباً أن يتضمّن إصلاح هذا القطاع إفلاس عدد كبير من المصارف.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف