جريدة الجرائد

خفايا استئناس الآلات الموسيقيّة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

ما هي إشكاليات استئناس الآلات الموسيقية، في الأذن العربية؟ لا خوف على ذوقنا ولا علينا أن نحزن. السعادة الموسيقية نسبية، فثمة مجتمعات موسيقاها محدودة جدّاً من حيث الأشكال والأجناس الموسيقية، ووفرة الآلات وتنوعها، ومدياتها ومهارات التقنيات، ومع ذلك تقضي معها قروناً لا يخطر ببالها تطوير ولا يراودها تغيير. لكن شريطة عدم هبوب نسائم موسيقية مختلفة من هنا أو هناك. القرية التي لم يطرقها دخيل، تظل موسيقاها كدار لقمان على حالها، إلى أن يعبرها غريب فيسمع الناس منه لحناً لم يألفوه، وإيقاعاً لم يعرفوه، حتى إذا أصبح الصباح أخذ الأهالي يرددون النغم والإيقاعات. الإيقاع البسيط رياضيات سهلة يلتقطها الذهن بلا عناء، وتحفظها الذاكرة بيسر.

قضية استئناس الآلات معقدة على الصعيد النفسي والذهني، ولكنها بسيطة فهماً وشرحاً. &"يحلو&" للقلم أن يشبّهها بالذوق الذي لا يشعر بحلاوة المذاق إلاّ متى مازجته السكاكر. هذا المستوى بعيد من المستوى الجمالي الذي لديه فارق بين الجمال والزينة. النظرة الفلسفية للجمال لدى جلال الدين الرومي أعجوبة في القرن السابع الهجري. يقول: &"الغراب والطاووس كلاهما له نصيب من الجمال، الغراب ليس خلواً ولو كان بلا زينة&". الآن، نطبّق هذا على الآلات الموسيقية: &"الباصون والبيانو كلاهما على نصيب من الجمال، الباصون ليس خلواً ولو كان بلا إبهار&". الباصون يداعبونه بأنه &"مضحك الأوركسترا&". معاذ الله أن نصف قراره بأنه يشبه القُباع أو الخنخنة، أي صوت الخنزير. القاعدة الجمالية هي أن كل صوت في محله جميل. ماذا لو تفلسف المخرج فوضع صوت البلبل في موضع زئير الأسد، لأن الحسون أحسن، والبلبل أقلّ بَلبلة؟

حتى نفي بالغرض كاملاً، عدم استئناس الآلات لا يخلو من غياب الديمقراطية السمعية، الذي هو مرادف للإقصائية الصوتية، التي تدلّ على محدودية ذوقية. عدْ إلى مسألة التذوق السكاكري. تأمل الذوق الذي لم يكتمل نموه وتأهيله: ثمة فِرَق كثيرة في العالم العربي تستخدم منذ عشرات السنين آلة التشيللو، التي تضفي على الموسيقى روعة العمق بالموجات الصوتية الخفيضة، وهي أقرب صوت إلى صوت الإنسان، لكن هل تصبر الأذن العربية على عرض موسيقي كامل للتشيللو؟ هذه قضايا تحلها التربية الجمالية في المناهج، والتربية الموسيقية في المعاهد الموسيقية، والتوعية الفنيّة في المؤسسات الثقافية، والفضائيات بعروض الموسيقى الجادة العارفة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاستنتاجية: ضيق أفق السمع لا يختلف عن ضيق أفق الفكر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف