جريدة الجرائد

الجنرال والجثة والكهرباء

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عملياً، خرج الرئيس اللبناني عون من الرئاسة أمس الأول، وليس أمس، قبل نهاية عهده بيوم واحد، وإن لم يكن هذا الخروج مقصوداً ومن ورائه إشارة أو دلالة ما، فهو في القراءة النفسية يعبّر عن حالة جنرال تم تجريده من نياشينه، ومسدّسه، وحزامه العسكري الجلدي، بهدوء، ليقال إليه أو يقال له:.. اذهب مع السلامة في رعاية الله. إذهب هناك خارج القصر مُعزّزاً في بروتوكول سريع، وعلى الطريقة اللبنانية ببدلات مدنية صارخة الأناقة، وبلا ابتسامات. بدا الجنرال في البدلة المدنية نحيلاً، وكانت الثياب أوسع من جسده، ودائماً يشي القماش هذا المصنوع من الحرير أو القطن أو الكتّان بحالة الإنسان وهو في درجتين؛.. درجة القوّة، ودرجة الضعف.

ثقيلة، بل وثقيلة جداً على الجنرال عون أن يحال إلى أو على التقاعد، أو ألا يقال له مطلقاً:.. يا سيادة الرئيس أو يا فخامة الرئيس بعد دقائق قليلة من خروجه الرئاسي الذي يُذكّر بحالة عبدالله الصغير آخر ملوك الأندلس وهو يغادر قصر الحمراء كانت دموعه تتساقط على سيفه في التعبير الأدبي المجازي، وحين رأته أمّه، وكانت شاعرة، قالت له:.. إبكِ مثل النساء مُلكاً مُضاعاً..//.. لم تحافظ عليه مثل الرجالِ… غير أن الملك اللبناني، الأندلسي الثاني إلى حدّ ما لم يبك في بيروت، ولم تتساقط دموعه ذات يوم على لبنان واللبنانيين.

غريبة جداً وتماماً، لحظة مغادرة رئيس جمهورية في مثل انطباق وطباق الرئيس اللبناني عون، فالرجل خلال سنوات عهده، ومن خلال الصورة الصحفية والصورة التلفزيونية السريعة دائماً، كان يحافظ على الهيبة في الصورة ولو كانت درجتها هيبة تلفزيونية أو جنرالية. رجل ثمانيني على تسعيني، رفيع الصوت، هادئ كل الوقت، واثق كل الوقت. وراءه جدار أو وراء ظهره جدار اسمنتي من الايديولوجيا. والمال والعمامات والاستشهادات الجسدية والثقافية. ووراءه أيضاً سلاح علني أصفر يتجوّل في بيروت على الدرّاجات النارية والسلاح الناري.

يقول أحد الكتاب اللبنانيين ما أجمل الكتابة حين يفك المؤلف حزامه، ويتحرّر من حذائه وجواربه وربطة عنقه وبدلته الرسمية الضيقة في الكثير من الأحيان وبخاصة عند الرقبة. يقول:.. ما أجمل الكتابة حين تسهر في الحمراء وأنت بلا درّاجات نارية صفراء وراءك، ولا جنرال يستقوي على الصليب بالهلال، وأصفر عِمامي يستقوي على الهلال بالصليب في تلك التبادلية العجيبة بين المسيحي والمسلم، وبين الهلالي والصليبي.

خرج الرئيس بلا رتبة ولا احتفال ولا وداع. كانت بيروت بلا كهرباء لكي تضيء الدولة وترقص البلد. عسكري تسعيني. رفيع الصوت. ترك الجثة اللبنانية كما هي في الشوارع، وهو في طريقه إلى &"الضيعة&" الارستقراطية الرخامية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف