رئيس وزراء بريطانيا هندي الأصل
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
بريطانيا التي كانت تسمى بالعظمى بفضل توسعها الاستعماري، حتى قيل فيها إن الشمس لا تغيب عنها، وكانت ترفض وتحتقر كل ما هو غير انجلو-سكسوني، قد دارت عليها الأيام ولعب بها الزمان وتقلبت حتى تربع اليوم على كرسي سلطتها التنفيذية إنسان أسمر اللون من أواسط الشرق من أبناء الهند، هندوسي العقيدة وثقافته شاملة لعدد من الثقافات وتتميز عن جميع ثقافات العالم بتاريخها الضارب في القدم وتعدد مواردها من أديان متعددة وأنوار من الحكمة وآفاق من الفلسفة، إنها ثقافة تغرق الثقافات كلها، وثقافات الغرب تتتلمذ على ثقافة الهند. نعم لفترة وجيزة في حكم التاريخ كانت الشمس لا تغيب عن إمبراطورية بريطانيا، مثلما أنها لم تغب عن إمبراطورية العباسيين.
كانت بريطانيا في زمن الاستعمار الغربي أشبه بالإمبراطورية العباسية في الزمن القديم، عندما وقف هارون الرشيد وهو ينظر إلى غيمة سوداء محملة بالغيث تحجب الشمس وتغطي مساحة كبيرة من السماء، وقال متبسمًا مطمئنًا &"أمطري يا غيمة حيث شئتي فخراجك عندي&"، والملكة فيكتوريا كانت تنظر إلى سفنها الحديدية وتتبسم ولسان حالها يطمئنها أن العالم ملك يديها وأن الهند الغنية لقمة سائغة على مائدة أهوائها. فتدور الأيام ويحكم الزمان على الإنسان، فتدفن إمبراطوريات وتولد أخرى حسب أزمانها… وصدق الشاعر الفارس عنترة، غير الجاهل في العصر الجاهلي، عندما قال مخاطبًا الملك النعمان في إحدى قصائده:
إن كنت تعلم يا نعمان أن يدي
قصيرة عنك فالأيام تنقلب
إن الأفاعي وإن لانت ملامسها
عند التقلب في أنيابها العطب…
و الزمان كالأفعى يغرر الإنسان بلين النعم ويترصد له بأنياب العطب.
الإنسان والموطن (الجغرافيا) والتحولات (التاريخ) ثالوث روحه الإنسان، والإنسان لا حدود جغرافية تشل انتقاله من موطن إلى موطن جديد، فالإنسان مجموعة أوطان، والجغرافيا شاهدة على عالمية الأوطان عند كل إنسان في كليته التاريخية، أي في مجمل حراكه وتحولاته وتقلباته. كثيرًا ما نقرأ عن أصول الأجناس ومن أين أتت لتستقر في موطن في حاضر الزمان، وليست هناك إجابات شافية ومجدية حول الأصول التي تشغل بال الانسان، لأن الأصل واحد لكل البشر. الإنسان بين الجغرافيا والتاريخ في تمازج دائم ومتواصل، والنقلات والتحولات هما سمة الإنسان التي أنتجتها كيميائية علاقة الإنسان مع الإنسان. نموذج حي طازج خرج من مختبر العلاقة المتداخلة بين بني الإنسان تمثل في نقلة جغرافية-تاريخية، بطلها السيد ريشي سوناك وهو بريطاني من أصول هندية، إذ تمكن هذا الإنسان الشرقي، غير الإنجليزي ولا اسكتلندي ولا ايرلندي ولا من أبناء ويلز ولا أوروبي أبيض أو أشقر، أن يتربع على كرسي أعلى سلطة في بريطانيا، وقد استقبله الملك البريطاني لتهنئته على المنصب الذي أصبح شاغرًا بعد استقالة اثنين سابقين فشلا في إدارة دفة الحكومة التي تعاني من أمراض اقتصادية، وقد قالها السيد سوناك أنه قدر بريطانيا وأنه قد جاء لإنقاذها من ورطتها وعلاج مرضها… ليس المهم ما قاله، ولكن المهم ستتحدث عنه نتائج قدراته في علاج مرض هو نتاج خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتداعيات التطورات العسكرية في أوكرانيا… وللعلم فإن السيد سوناك، رئيس وزراء بريطانيا الجديد، كان من مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والذي يعني أن تشخيصه لمرض بريطانيا الاقتصادي يستثني خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا ندري ما هو تشخيصه لهذا المرض الذي يرى إنه قادر على أن يعيد إلى وطنه المهجري الجديد صحته الاقتصادية.
إنسان هندي أسمر اللون يصبح رئيس وزراء بريطانيا قد يبدو أمرًا عجيبًا عند الإنسان، وخاصة عند الإنسان الشرقي، ولكن هذا العجب لا يطال التاريخ، إذ إن التاريخ شاهد على أن إنسانًا من أفريقيا السمراء قد تربع على عرش الإمبراطورية الرومانية في القرن الثاني الميلادي، وكان الإمبراطور الحادي والعشرين سيفروس الأول من مدينة لبدة (شرق طرابلس الليبية اليوم) وبقي على عرش الإمبراطورية ١٨ عامًا… والتاريخ شاهد على نماذج كثيرة من هذه التحولات والتقلبات التي تثير العجب وتسبب الدهشة عند الإنسان.
بريطانيا الانجلوسكسونية ذات التاريخ الاستعماري العريق، وخاصة استعمارها للهند، تقبل اليوم على المستوى الرسمي والشعبي أن يكون رئيس وزرائها أحد أبناء مستعمراتها… قبل ٧٥ عامًا كانت الهند مستعمرة بريطانية، وكان حاكم الهند بريطاني الأصل، واليوم أصبح حاكم بريطانيا هندي الأصل.
إنها نقلة نوعية في ثقافة الشعب البريطاني، وهي نقلة إيجابية وجهتها عدم التفريق والتمييز بين الأجناس والأعراق من بني البشر، وإن استعمار الأمس قد أصبح من الماضي الذي من المؤمل أن لا يتكرر، وإن الإنسان الفرد كان من كان، ومن أي موطن جاء، فبمجرد أن تطأ أقدامه أرض بريطانيا ويتمكن من الحصول على حق المواطنة، فمن حقه أن يتبوأ أعلى المناصب حسب الدستور الذي هو لسان حال الشعب. إنها نقلة نوعية تستحق الإعجاب والتقدير، وليس العجب والدهشة!