ثقافة الكتاب.. وسعادته وعهده
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
على خلاف العادة منذ خمسين عاماً أو أكثر، ما أتيت إلى بيروت لشهود المعرض الدولي للكتاب، لكنني على أي حالٍ جئت إلى بيروت، وذهبت لمعرض الكتاب الذي يقام كل عام في الأيام العشرة الأولى من شهر ديسمبر.
وما يزال &"النادي الثقافي العربي&" الذي يقيم المعرضَ يفتخر بأنه بدأ بإقامته في بيروت وصار &"دولياً&" في أربعينيات القرن العشرين. ما عاد المعرض دولياً بالطبع، إذ ليس فيه إلا نصف دور النشر اللبنانية أما دور النشر العربية (مصرية وعراقية) فقليلة جداً. سئل الناشر اللبناني: لماذا لم تشارك؟ فقال: لأني مضطر لدفع رسوم عالية للمشاركة بالدولار، وقد لا أبيع كتاباً واحداً!
العذر نفسُه ذكره لي ناشر مصري مشهور. هل وجدتُ كتباً جديدة؟ نعم وجدتُ تأليفاً وترجمة، لكنّ المؤلفين والمترجمين والناشرين عرب من السعودية والكويت والعراق ومصر والجزائر، لكنهم يطبعون في لبنان ويوزّع لهم لبنانيون. وقد شكا لي صاحب دار نشر لبنانية صغيرة من أنه ما عاد يستطيع نشر كتب إلا إذا دفع له مؤلفوها أو مترجموها تكلفتَها سلفاً! وقلت له: لقد كنتم دائماً عالةً على العرب، مؤلّفين وموزعين ومشترين، فلا داعي لهذا الفشار. وبالطبع هناك عشرات الدور اللبنانية الصغيرة والمتوسطة التي ماتت دون أن يشعر بها أحد.
وقد قيل لي إن دار الساقي، وهي دار نشرٍ كبيرة ومحترمة، ستقفل أبواب مركزها في لندن! صحيح أن بيروت تقزمت من كل النواحي، وتَقزُّمُ دُور النشر فيها جزء من ذلك. لكنْ من ناحيةٍ أخرى يقول الجميع إنّ هناك سببين آخرين لهذا التضاؤل: تراجع ثقافة الكتاب الورقي، وضآلة أعداد العرب الذين يقرؤون أصلاً!
ولا أستطيع المجادلة في الإحصائيات بالطبع. وأعرف كثيرين من العرب الشبان والكهول الذين يجيدون قراءة الروايات العربية والمترجمة. لكنّ معرفتي ليست مقياساً، ولكلٍ سيرته. فقبل ستين عاماً وكنت في الرابعة عشرة من عمري، حصلت من المدرسة على جائزة القراءة (الكتب من مكتبة المدرسة بالطبع!) وقدرها 25 ليرة، فعمدتُ إلى شراء فتوح البلدان للبلاذري (نشرة عبد الله أنيس الطباع!) لا نشرة دي غويه ولا نشرة صلاح الدين المنجد.
وقد اشتريت النشرتين بعد عشرين عاماً، لكنّ نشرة دي غويه ضاعت فاتهمت أحد طلابي الذي كان يساعدني في ترتيب المكتبة بأخذها! وحكاياتي مع الكتب لا تنتهي. وقد أتيتُ معي من مصر التي درستُ فيها (1966-1971) بثمانية آلاف كتاب.
أما دراستي بألمانيا (1972-1977) فكانت حصيلتها غير الدكتوراه ستة آلاف كتاب ألماني وإنجليزي وفرنسي. أما منذ عودتي من ألمانيا وحتى اليوم (2022) فقد تجمع لديّ زُهاء المائة وعشرة آلاف كتاب بلغات وتخصصات واهتمامات عدة، إنما معظمها في العلوم الإنسانية والدراسات الإسلامية والعربية والتاريخ. وما عددتها، لكنْ عندما أهديتُ جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية المكتبةَ ففهرسْناها وأحصيناها، بلغت ذلك العدد المقدَّر.
وبالطبع (وقد كثر عليَّ هذا المفرد) ما أزال أكتب بقلمي ويُطبع لي، وما أزالُ أقرأ وأكتبُ ست أو سبع ساعات في اليوم إضافةً للتدريس وأعمال الجامعة الأخرى! لماذا أذكر هذا كلّه؟! ليس للفخار أو لأنني أكثر ثقافة من غيري، كتبت هذا لأنني قرأتُ في الأيام الأخيرة بالمصادفة مقالات عدة تُعنى بثقافة الكتاب وحبّ الكتب.
فالتر بنيامين، الكاتب الشهير في عشرينيات القرن العشرين، يحكي قصصاً عن تتبعه للكتب الألمانية ذات الطبعات القديمة والأولى والنشرات اللاتينية. وبورخيس، الكاتب الشهير الذي نعرفه نحن العرب بحبه لألف ليلة وليلة، يغار من سكرتيره مانغويل لأنه يقرأ الكتب التي يطلبها بورخيس (وهو أعمى) قبله، ويزعم له أنها لم تصل بعد. وقد قرأت بالفعل لمانغويل كتاباً عن روعة القراءة بالليل.
وفي أواسط الستينيات عندما ذهبنا لمصر.. قيل لي، وقد رأيتُ نجيب محفوظ بمقهى ريش عن بُعد، إنّ قصته &"أولاد حارتنا&" مُنعت في مصر وطُبعت في بيروت، وليتني أشتري منها خمس نُسَخ من بيروت للأصدقاء، وهذا ما فعلتُه. إنما كان من سوء الحظ أنّ نسختي الخاصة كانت فيها ملزمة بيضاء، أي أنها نسخة تالفة (!)، وكنتُ قد وزعتُ النسخَ فانتظرت أربعة أشهر حتى عدت لبيروت واشتريت نسخة سادسة قرأتها في ليلة واحدة على ضخامتها!
وفي مكتبتي بعض نوادر المطبوعات وبعض المخطوطات، لكنها ليست كثيرة لأنّ مكتبتي مكتبة عمل، وما كنتُ أملك نقوداً لاقتناء التحف! قال لي الدكتور عبد العزيز المقالح: نحن آخر جيل يقرأ الكتب الورقية، وقد أخطأ، رحمه الله، إذ أتى بعده جيلان يعشقان ثقافة الكتاب. ولذلك لن أتنبأ بشيء لهذه الناحية، ليبقى هناك أُناس يستمتعون بالسعادة التي نستمتع بها ونحن نقرأ في الليل. ما أصعب الكتابةَ، وما ألذَّ القراءة!
*أستاذ الدراسات الإسلامية -جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية