جريدة الجرائد

تفكّك روسيا مشكلة أوروبيّة وأميركيّة!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


كانت القمّة الأخيرة التي عقدها زعماء الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، نقطة تحوّل على الصعيد الدولي، خصوصاً في ضوء الحرب الأوكرانيّة التي غيّرت العالم من زوايا مختلفة. يكفي لتأكيد أنّ القمّة الأطلسيّة كانت نقطة تحوّل على الصعيد الدولي، كشف هذه القمّة أن لا عودة اميركيّة وأوروبيّة عن منع روسيا من وضع اليد على أوكرانيا. يشبه هذا القرار إلى حدّ كبير قرار هزيمة ألمانيا النازيّة في الحرب العالميّة الثانيّة، بغض النظر عن الكلفة.

في بداية الحرب الأوكرانيّة، تحدّث الجانب الروسي عن مواجهة يخوضها نظام "نازي" في أوكرانيا، على رأسه فولوديمير زيلنسكي. بعد مرور ما يزيد على 500 يوم على اندلاع الحرب، لم يعد من شكّ من هو النازي، في ضوء ممارسات القوات الروسية ومجموعة "فاغنر"، التي ما لبثت أن تمرّدت على كبار ضباط الجيش الروسي، مبقية على علاقة مع فلاديمير بوتين!

كانت الرسالة التي صدرت عن القمّة في غاية الوضوح. فحوى الرسالة أنّ روسيا خسرت الحرب الأوكرانيّة، وأنّ السؤال الذي سيطرح نفسه في المرحلة المقبلة يتعلّق بمصير الإتحاد الروسي. سيشغل الهمّ الروسي الدول الأعضاء في الحلف الأطلسي. زادت هذه الدول، بفضل الحرب الأوكرانية، دولتين، هما فنلندا والسويد اللتان تعنيان الكثير بالنسبة إلى روسيا. لم يعد هناك فيتو تركي على انضمام السويد إلى الحلف الأطلسي. يُفترض في فلاديمير بوتين فهم معنى ذلك، أي فهم أنّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لم يعد يأخذه على محمل الجدّ من جهة، وفضّل الإنضمام إلى المعسكر الأميركي من جهة أخرى. إنّها عودة، إلى الحظيرة الأميركيّة، للإبن الشاطر التركي الذي بات مقتنعاً بالهزيمة الروسيّة في أوكرانيا. لو كان لدى إردوغان أي أمل بانتصار فلاديمير بوتين في حربه على أوكرانيا، لما كان تردّد لحظة في خيار السير في لعبة ابتزاز أوروبا، عن طريق التردّد في اتخاذ موقف من انضمام السويد إلى "ناتو".

انعقدت القمّة في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا، الجمهورية السوفياتيّة سابقاً. ترمز ليتوانيا، بين ما ترمز إليه، إلى رغبة في التحرّر من الطغيان ورفض الهيمنة الروسيّة. ليس سرّاً أنّ بداية انهيار الإتحاد السوفياتي بدأت مع خروج جمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا واستونيا) منه في العام 1991، بعد سقوط جدار برلين في خريف 1989.

يُعتبر انهيار الإتحاد السوفياتي نتيجة اكثر من طبيعيّة لوجود مولود مصطنع غير قابل للحياة، حوّل نفسه قوة عظمى بفضل الصواريخ والسلاح النووي والقمع. لعلّ أهم ما كشفته حرب أوكرانيا، أنّ السلاح الروسي لا يعني شيئاً، وأنّ التهديد بالسلاح النووي لم يعد يقدّم ولا يؤخّر. هناك حقيقة واحدة تتمثّل في أنّ السيطرة الروسيّة على أوكرانيا تشكّل تهديداً لكلّ دولة أوروبيّة، بما في ذلك دول بعيدة من روسيا مثل إسبانيا والبرتغال.

ماذا بعد خسارة روسيا الحرب الأوكرانيّة؟ ليس هناك من يريد تفتيت الإتحاد الروسي، وهو الدولة التي قامت في ضوء انهيار الإتحاد السوفياتي مطلع تسعينات القرن الماضي. توجد مخاوف اوروبيّة حقيقيّة من انهيار الإتحاد الروسي علي غرار الإنهيار الذي أصاب الإتحاد السوفياتي. لخصّ ذلك وليم بيرنز مدير وكالة الإستخبارات المركزيّة الأميركيّة (سي. آي. إي)، الذي قال في محاضرة القاها قبل نحو ثلاثة أسابيع في مركز للأبحاث في بريطانيا، إنّ التراجع الروسي يثير مخاوف، كذلك الصعود الصيني. يفسّر هذا الكلام، إلى حدّ بعيد، تلميحات صدرت عن القمّة الأطلسيّة في ليتوانيا، عن توسيع لدور حلف شمال الأطلسي، كي يتجاوز أوروبا ومواجهة الخطر الصيني. نجح حلف شمال الأطلسي في ردع روسيا. بات عليه الآن الإنصراف إلى مهمّات أخرى في هذا العالم الواسع، الذي تحاول الصين ان تلعب فيه دوراً يتجاوز دورها الاقتصادي.

ثمّة عالم جديد ولد من رَحَم الحرب الأوكرانيّة ومن الحسابات الخاطئة لفلاديمير بوتين، الذي لم يدرك أنّ مصير بلده صار على المحكّ، وأن اميركا وأوروبا باتتا معنيتين بهذا المصير. صارت روسيا في حضن "الجمهوريّة الإسلاميّة". لا تستطيع روسيا متابعة حربها من دون المسيّرات والصواريخ والذخائر التي تحصل عليها من إيران. اكثر من ذلك، ثمّة مخاوف اميركيّة حقيقيّة من أن تصبح روسيا محميّة صينيّة لا اكثر... وأن يصبح بقاء الإتحاد الروسي رهينة الإرادة الصينيّة.

كلّما مرّ يوم، يتبيّن كم أنّ فلاديمير بوتين يجهل العالم. أخذ روسيا إلى حرب غير مستعدّة لها. كشفت هذه الحرب تخلّف السلاح الروسي. الأهمّ من ذلك كلّه، كشفت الحرب هشاشة المجتمع الروسي ونقاط ضعفه وعدم رغبته في القتال خارج الأرض الروسيّة. على خلاف بوتين، لا يهمّ المجتمع الروسي، الذي استهوته في البداية الحرب على أوكرانيا، استعادة أمجاد الإتحاد السوفياتي بأي شكل. ليست لدى المواطنين الروس هواجس فلاديمير بوتين وأوهامه. هذا كلّ ما في الأمر لا اكثر ولا أقلّ، في بلد يعاني من تناقص عدد السكان وزيادة عدد المسنّين وحاجة هؤلاء إلى رعاية صحّية.

قبل الحرب الأوكرانيّة، كانت روسيا مشكلة الروس وحدهم. بعد الحرب، صارت مشكلة أوروبيّة واميركيّة أيضاً، خصوصاً أن ليس هناك من يستطيع التكهن بالنتائج التي يمكن أن تترتب على انهيار الإتحاد الروسي وتفكّكه!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف