وطن مفتّتٌ بين ساحات الدول
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
غادر رياض سلامة حاكميته في مصرف لبنان بمظاهر &"إمبراطورية&" مخلّفاً وراءه قجّة ودائع اللبنانيين المهدورة وحيواتهم المهشّمة وتخبطاً بين صلاحيات السلطتين البرلمانية والحكومية حول سياسة الاقتراض من قعر القجّة القابلة للتهشيم، مع التأكيد أنّ ال128 نائباً سبق وسحبوا بتنافرهم الروح من أيّ حوارٍ لانتخاب رئيس لجمهوريتهم المُقفلة، فقعدوا وغادروا بانتظار سبتمبر/أيلول وطرفه بالشتاء مبلول ليخيّم على اللبنانيين قلق السؤآل:
ماذا تُراه سيكون لون الشتاء المنتظر غير الوحول؟
هذا هو لبنان الصغير أو الكبير الهرم ابن المئة سنة الذي حيّر رؤساء العالم وسفراءه ومبعوث باريس والخماسية جان إيف لودريان الذي طرح صيغاً للحوار ثنائيّة ورباعية ورؤساء كتل توخّياً لمرشحين اثنين لكرسي بعبدا، لكنّه نفض يديه بانتظار سبتمبر مذكّراً بأن الرئيس نبيه برّي أخفق قبله في تجديد الحوار حول طاولته المصقولة التي كان أوّل من مدّها في البرلمان بحثاً في استراتيجيات الدفاع الوطني لتنتقل بعدها إلى قصر بعبدا مع الرئيس ميشال سليمان (2008 - 2014) إثر اتّفاق الدوحة. كان الهدف آنذاك وقف العدّ بين المسلمين والمسيحيين بإقرار مبدأ المناصفة وبحث استراتيجية الدفاع الوطني والاتّفاق على &"إعلان بعبدا&" الباقي بين أوراق الطاولة المكدّسة والمهملة.
غادر لودريان إذاً، فانشقّ باب حوار بين حزب الله وجبران باسيل &"القائل بالتضحية 6 سنواتٍ لسليمان فرنجية رئيساً&" مقابل: &"تحقيق اللامركزية الإدارية والصندوق الائتماني الخاص بالنفط والغاز للأجيال المقبلة والإصلاح الشامل&".
لنعترف بضخامة الحُفر السحيقة في وجه الجمهورية الوعرة، ولنغص بين أفرقاء تُديرهم جهات خارجية متعددة وكأنهم رهائن الخرائب في التفكير والتدبير وممارسة الحكم المتجعّد الأصفر. أضاع لبنان كيان الدولة وملامحها والحرية والديمقراطية والتنمية والإدارة وسقط أسير انتظارات الوعود الحائرة بين باريس وواشنطن وموسكو وعدد من دول المنطقة.
سقطت فكرة صفّ النوّاب حول مزهرية مستديرة الشكل متألّقة بالزهور البريّة وسط الطاولة بكونها ستبعث رائحةً متناغمةً في الأجواء، مع أنّها ضرورة وطنيّة لكنّ الأعناق والخواصر والتصريحات مدججة كلّها بالشوك والفرقة حنيناً للأسلحة في غبار المخازن. لم تعد مصافحة &"زهور&" البرلمان وتداخل روائحهم المتعددة كفيلةً بالسلام والعيش والتناسل وإعادة بناء الوحدة الوطنية التي تحوّلت شعراً وصلوات تتمتمها الألسن اللبنانية.
إنّ كميّة الأحقاد في وطن الخراب الكبير بعد الفقر الكثير تبشّر بالمستقبل الأسود، وإنّ المياه في مزهريات كبار السياسيين المصفوفة فوق طاولاتهم توحّلت واسودّت حتّى ولو أنّها من &"اللاليك&" أرقى أنواع الزجاج وأثمنه في العالم بعدما تراكمت أفكار التبشير والتهديد المتبادلة بالعواصف والرياح والأمواج العاتية المستوردة، وخصوصاً عبر حروب المخيّمات الحالية في صيدا بين الفلسطينيين والإسلاميين المتشددين وتخوّف السفارات البعيدة عن محاولات التهدئة لكأنّ الجماعات اللبنانية والجنوب اللبناني يركضان نحو بعث الجاهليات العسكرية على أنغام دعاة الفيدراليات مالئة الشاشات ومقلقة المواطنين بخرائط الأوطان المزركشة المفتّتة الألوان.
لا روح لحوارٍ يجمع سياسيين من حقول فرنسا وسوريا وقطر وايران والولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة والمجموعة الأوروبية والفلسطينيين حول خشبة واحدة، ولو جاهروا جميعاً بأنهم هم رحم لبنان القديم الجديد. وليس سهلاً ترميم وطن يُقيم سياسيوه في الخارج كلّ خارج ولو جاهروا ثنائيين وثلاثيين ورباعيين بأن حواراتهم ستبقى محلية وتصنع وطناً في لبنان!
يتراءى الحوار إذاً وكأنه فلش سجّادة من الدم لحبسه أو لتسريعه مع أنّ الجروح المتعددة لم تيبس بعد في جسد لبنان !
وإذا كانت الحوارات والمصالحات المتدفقة والمعلنة والمتوسّعة من حولنا في الأرجاء الدولية والإقليمية بين الصين وروسيا وسوريا والسعودية والإمارات ومصر وقطر لا تُرشد اللبنانيين فتُخرجهم من الحنين لتواريخهم الدامية الغابرة، فإننا نحيل سياسيينا وباحثينا ومحللينا وأساتذتنا وطلابنا وشبابنا الذين لطالما كانوا حطب المواقد في الحروب التافهة وتذكيرهم بساحاتهم الحمراء من ال 1975 حتى ال 2005 مروراً ب1991 سواء في العلاقات اللبنانية واللبنانية السورية والعربية والعالمية ولننبش معاً أوطان آبائهم وأجدادهم بمعابرها الضيقة التي كانت تدفع بالأجيال تباعاً نحو المستشفيات والمقابر أو ردهات المطارات حيث أرصفة الأمم بالانتظار.
إنّ أعداء لبنان الحقيقيين حفنة من قساة تتناسخ الماضي الأليم بلا مستقبل، وما العلاقات الراهنة مع البلدان العربية أو الإقليمية والأوروبية أو مع الدول العظمى سوى اجترار مُخجل لم ولن يعبر بلبنان نحو وطنٍ له بداية ونهاية وحدود وثوابت ومسؤولين، بل قد يبقيه وطناً مفتّتاً بين ساحات الأمم.