جريدة الجرائد

حين مرّ كوع الكحالة أمام شاحنة منقلبة...

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لم يعد &"حزب الله&" يكترث لمفاعيل تمسّكه بعناصر القوة العسكرية التي اكتسبها على مرّ السنين في البلد، ولتداعيات ما ينجم عن حاجته المستمرّة للتسلّح وتطوير قدراته القتالية الدفاعية والهجومية لأغراض إقليمية، على المناخ الشعبي الاعتراضي ضد تمكّنه من استثمار الوظيفة الإقليمية لسلاحه في موازين القوى الداخلية. وهو استثمار يبدأ من رئاسة الجمهورية إلى سائر المواقع الدستورية وأجهزة الأمن والقضاء والإدارة وما تيسّر في مؤسسات القطاع الخاص التي لها تأثيرها في النفوذ السياسي، مع أنّها يفترض أن تخضع لمقاييس وأنظمة تغنيها عن منطق المحاصصة وتغلغل الأهداف السياسية فيها.

لا يقيم منطق قوى &"الممانعة&" وزناً للاعتراض الأهليّ المتنامي على هيمنة &"الحزب&" وفق منطق فائض القوة الذي يتمتّع به، ومقتضيات انخراطه في الصراعات الإقليمية والدولية التي تخوضها إيران في الإقليم، ولا للمنحى الطائفي والمذهبي البغيض لهذا الاعتراض، ويتصرّف على أنه واثق من قدرته على استيعابه. وقد سأل البعض بعد الذي حصل في بلدة الكحالة أول من أمس: لو انقلبت شاحنة &"الحزب&" في منطقة أخرى سنية أو درزية، ماذا كان يمكن أن تكون ردّة الفعل؟ استخدم كثر في الـ24 ساعة الماضية ما سبق أن شهدته بلدة شويا الجنوبية الدرزية، ضد مسلحي &"الحزب&" حين أطلقوا صواريخ على الجيش الإسرائيلي من بلدتهم، والاشتباكات التي وقعت قبل أكثر من سنة في منطقة خلدة مع عشائر سنية، وغيرها من الحوادث، رغم اختلاف الظروف وحالة التعبئة النفسية والسياسية والطائفية... يشبه توسّع الاحتقان على أنواعه ضد السياسات التي يفرضها &"الحزب&" ذلك الذي حصل ضد حالة عدم الاكتراث التي طبعت تمدّد المقاومة الفلسطينية في الشارع اللبناني، إبّان الحرب الأهلية، تحت شعار حرية العمل المقاوم ضد إسرائيل على الحدود الجنوبية، من العاصمة إلى مدن أخرى وفي جنوب لبنان.

حينها اغتنمت إسرائيل فرصة الاحتقان الشعبي ضد هذا التمدّد، من أجل تنفيذ اجتياحها عام 1982. كما يشبه المزاج الشعبي الراهن حالة الاحتقان العارمة التي تصاعدت في الشارع اللبناني وفي الطوائف كافة ضد ممارسات الجيش السوري وتسلّط مخابراته على أجهزة الدولة اللبنانية من القمة إلى القاعدة، فشكّل هذا الاحتقان غطاءً شعبياً ضد استمرار الاحتلال، وكان مظلة لبنانية لقرار دولي، سمّاه الممانعون آنذاك &"مؤامرة&"، بانسحاب الجيش السوري من لبنان. المغزى من وراء عدم اكتراث &"الحزب&" بالاحتجاجات على منحِه نفسَه حرية القيام بما يشكو منه المزاج الشعبي، أنه يشعر جرّاء تفوّقه العسكري بأنه قادر على تجاوز واستيعاب الحملة ضده، وهو يهرب إلى الأمام بدلاً من استدراك الأخطاء ومعالجة مسبّباتها، فيتّهم خصومه السياسيين بأنهم عملاء لإسرائيل، كما جاء في بيانات كتلة &"الوفاء للمقاومة&" وهيئات أخرى من &"لقاء الأحزاب&" و&"هيئة العلماء&"... وجهات يتولّى صياغة وتوزيع ما يصدر عنها.

بات شعار &"الجيش والشعب والمقاومة&" شبيهاً بـ&"اتفاق القاهرة&" وبـ&"معاهدة التعاون والأخوة والتنسيق&" بين لبنان وسوريا، يسوّغ كلّ شيء ويبيحه، ما دفع أحدهم إلى القول: طالما هذا الشعار يبيح السلاح لماذا لا يتمّ استيراده من إيران عبر المرفأ علناً على أنه سلاح شرعي... في وقت يجري نقله من البقاع إلى بيروت وليس إلى الجنوب لمقاومة الاحتلال، بينما العاصمة بحاجة إلى إنقاص عدد البنادق فيها وليس إلى زيادته؟

في وقت يعود تشدّده الراهن واستنفاره السياسي والعسكري إلى احتدام المواجهة الإقليمية، يشبه بيان &"الحزب&" عن الميليشيات التي تصدّت للشاحنة في الكحالة، تلك الواقعة الساخرة التي حصلت مطلع الثمانينات حين اشتبكت دورية لجهاز الاستخبارات الفلسطينية (برئاسة أبو الزعيم حينها) بحراس ثكنة &"فخر الدين&" التابعة للجيش اللبناني، ما أحرج القيادة الفلسطينية فاتّصل أحد قادتها التاريخيين بنائب رئيس &"الحركة الوطنية&" آنذاك عضو قيادة &"الحزب التقدمي الاشتراكي&" توفيق سلطان طالباً إيجاد صيغة لمعالجة الحادث، وكانت النقمة بدأت تتصاعد ضد التشكيلات الفلسطينية، فأجابه سلطان ساخراً: &"لماذا لا تصدرون بياناً بأنه فيما كانت ثكنة فخر الدين مارة أمام دورية للأمن الفلسطيني حصل صدام مسلح بين الجانبين&". وذهبت السخرية السوداء لسلطان مثلاً.

فضلاً عن الحجج العديدة التي ساقها كُثر إثر حادث الكحالة الدموي، فإنّ بيان &"حزب الله&" بالأمس عن &"الميليشيات&" وعملاء إسرائيل، دفع البعض إلى القول لماذا لم يذكر البيان أنّه &"بينما كان كوع الكحالة مارّاً أمام شاحنة منقلبة محمّلة بالذخيرة، وقع اشتباك أدّى إلى سقوط قتيلين...؟&".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف