جريدة الجرائد

تحديات اللجوء

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

اللجوء هو أزمة مادية ومعنوية، هو أشبه باقتلاع شجرة من جذورها، وزرعها في بيئة تختلف تربتها وهواؤها وماؤها ومذاق كل الأشياء، هو ذلك الانتقال القسري، نتيجة الحروب والمجاعة والأمراض والجوع والكوارث الطبيعية، من الألفة نحو التوحّش، من الاستقرار إلى قلة الأمن والأمان، وربما الضياع، من الكرامة إلى التنمّر وأشياء أخرى.

قد يتمكن الكبار من مواجهة تبعات اللجوء، والتأقلم، ولو مرحلياً، مع البيئة الجديدة، لكن تحديات اللجوء تواجه المراهقين والصغار، والإناث أكثر من الذكور، والمرضى أكثر من الأصحاء، وأصحاب النفوس الرقيقة والطبائع الليّنة أكثر من النفوس الخشنة. لهذا، فمشاكل اللجوء لا يعرفها إلا من ابتُلي بها، وكل المساعدات الإنمائية والمادية والعينية وكل الدعم النفسي، يبقى عاجزاً أمام الحنين إلى مسقط الرأس، إلى الذكريات، إلى لقمة خبز ساخنة من تنور.

هذا الكلام لا يبدو رومانسياً حين نعلم أن الصراعات والسياسات التنموية الخاطئة والفساد كانوا السبب في ترحيل 100 مليون إنسان في العالم عن ديارهم، ولنا أن نتخيل حجم المأساة العاطفية والإنسانية مع هذا الرقم، الذي قد يساوي عدد سكان خمس دول متوسطة الحجم، مثل سوريا والعراق وليبيا على سبيل المثال، قذفت بهم رعونة المواقف ليصبحوا متسولين أمام الدول المتقدمة وأبواب منظمات الأمم المتحدة والهيئات الإغاثية، من دون أن يتمكن واحد من المليون، من رفع دعوى قضائية ضد المتسببين في اقتلاعه من بيته وأرضه ومراتع صباه.

الأطفال هم الضحايا، وأكثر من يدفع الثمن، ولنأخذ الأطفال السوريين مثالاً على انتهاكات حقوق الطفل، ونحن نتحدث عن لبنان كمكان للنزوح، يقول تقرير صادر عن مفوضية شؤون اللاجئين إن الأطفال السوريين يتحملون الجزء الأكبر من أعباء الأزمة، 30% من الأطفال الذين هم في سن الدراسة (بين 6 و17 عاماً) لم يدخلوا المدرسة قط، ومعدّل الالتحاق بالمدارس الابتدائية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عاماً نسبته 25% في عام 2021، إضافة إلى ذلك، استمر الاتجاه التصاعدي في عمالة الأطفال في أوساط الأطفال السوريين في عام 2021؛ إذ بلغ عدد المنخرطين في سوق العمل ما لا يقل عن 27,825 طفلاً. كما يكشف التقرير عن أن فتاة من أصل كل خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و19 عاماً متزوجة، وأكثر من نصف الأطفال (56%) الذين تتراوح أعمارهم بين عام و14 عاماً قد تعرضوا لشكل واحد على الأقل من أشكال التأديب القائم على العنف.

ويتعرض النازحون للاتجار بالبشر؛ حيث ضُبطت أكثر من عصابة تعمد إلى خطف الفتيات وإجبارهن على ممارسة البغاء، ناهيك عن العصابات التي توظّف الأطفال في التسوّل والسرقات، إضافة إلى حالات التنمّر الاجتماعي والعاطفي والتمييز العنصري، ما جعل النازح يشعر بأنه عالة على المجتمع. ونحن هنا نتحدث عن ظاهرة عامة، ولا تقتصر على مكان معيّن. وهناك مسألة في غاية الخطورة؛ إذ تشكل بيئة النازحين فرصة للتنظيمات المتشددة، التي تغري الشباب للالتحاق بهم مقابل مبالغ كبيرة، إذا ما قيست بمستوى معيشة النازحين، ولا غرابة إذا ضُبطت كميات من الأسلحة بين النازحين.

إن ما يزيد الصورة قتامة غياب ضوء الأمل والتفاؤل بتطبيق حلول في المدى القصير لمشاكل النازحين، ما يعني المزيد من المعاناة، والمزيد من انتشار الجهل، والمزيد من الاتجار بالبشر في كافة أشكاله. هذا يحدث أمام الدول التي نزح منها هؤلاء، وأمام الأمم المتحدة، وأمام كل الشرائع الدينية والدنيوية. ولن نعود لاستخدام اللغة العاطفية، لأن نظرة واحدة في عيون طفلة تعاني الجوع والبرد والضياع، كافية لتجسّد الأزمة، وتشرح هول المصيبة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف