جريدة الجرائد

المحبة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لقد فكرت جليًا قبل كتابة هذا المقال، فما يجري في غزة لا يكاد يفارق عقلي، ويصيبني بالأسى والحزن طيلة الوقت، حالي حال أي عربي ومسلم وأي إنسان في هذا العالم يتعاطف من كل قلبه مع الفلسطينيين الأبرياء العزل في غرة، وخاصة النساء والشيوخ والأطفال الذين لا سماء تظلهم ولا أرض تحميهم.
كنت تلقيت منذ فترة، قبل السابع من أكتوبر الماضي، دعوة من فنانين من البحرين والخليج العربي لافتتاح معرض رسومات فنية متنوعة، ولأني شغوف بالفن والثقافة والفكر، وأرى أن من واجبي دعم الفنانين والأدباء والمبدعين، قبلت الدعوة بكل سرور وترحاب.
لكن في السابع من أكتوبر اشتعلت الأحداث في غزة كما يعلم الجميع، وتوقفت جميع أو معظم الفعاليات، فكما يقال: &"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة&"، وتسمَّرنا أمام شاشات التلفزيون والهاتف نتابع ما يرد من غزة من أخبار ومآسٍ نتيجة المجازر التي ترتكبها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تجاوزت كل حدود الدفاع عن النفس، وأصبحت ما تصنعه في غزة أشبه بحرب إبادة.
ولا أكشف سرًا إذا قلت إني فكرت كثيرًا وجليًا في مسألة افتتاح معرض فني في هذه الظروف الصعبة، وكنت أقرب للاعتذار عن عدم الافتتاح والحضور والمشاركة، لكني رأيت في النهاية أن الحياة يجب أن تستمر، وأن المعرض يجب أن يقام، وأكثر ما شجعني على ذلك هو العنوان الذي يقام المعرض تحته، إلا وهو &"المحبة&"، وكأن القائمين على المعرض قاموا بقراءة المستقبل، وعرفوا أن معرضًا بهذا التوقيت يجب أن يحمل هكذا عنوان.
وعند افتتاح المعرض في الثاني من نوفمبر الجاري في قاعة مركز الأيام الإعلامي، وقفنا دقيقة صمت وقرأنا الفاتحة على أرواح الشهداء، ثم تكلمت عن سعادتي وعن حزني في آنٍ واحد، خاطبت الحضور بالحديث عن الفرق بين معرض المحبة ومظاهر الكراهية العمياء، بين الفن الراقي الإنساني المحب والمتسامح والمعطاء، وبين التطرف البغيض الذي تمارسه إسرائيل بحق أشقائنا الفلسطينيين.
فكرت باليهود الذين يعيشون بيننا على أرض عربية، في البحرين مثلًا، وكيف يتمتعون بجميع حقوقهم السياسية والاقتصادية والفكرية، حالهم حال أي مواطن آخر. الجميع سواسية تحت حكم القانون، يحظون بحقوقهم كاملة، ويقدمون واجباتهم كاملة. ليس اليهود فقط، بل جميع الأعراق والأديان والأجناس، حتى إنك لا تسمع مصطلح &"أقليات&" في هذا البلد.
العرب لم يرتكبوا مجازر بحق باقي الأعراق والأديان التي تعيش بينهم، ربما يسجل التاريخ حوادث فردية هنا أو هناك، لكنها لا ترقى بأي حال من الأحوال لحرب الإبادة التي قام بها الأوروبيون المهاجرون إلى أمريكيا بحق سكانها الأصليين من الهنود الحمر، ولا إلى ما قامت به ألمانيا النازية بحق اليهود، أو ما قام به الصرب بحق أبناء جلدتهم من البوسنيين في سربرنيتشا وغيرها.
بل على العكس من ذلك، تعايش العرب مع باقي الأعراق بكل ود ومحبة، والتاريخ يخبرنا كيف أن المماليك وصلوا حتى لحكم مصر وأجزاء كبيرة من الوطن العربي، وشخصيات كثيرة حتى من الفرس وصلت لمناصب وزراء وقادة جيوش، وكان منهم المفكرون والعلماء ذائعو الصيت.
الأنفس المريضة فقط هي التي لا تقدر ولا تفهم معنى المحبة، وتنظر إلى كل شيء من باب المصلحة، والنفس المريضة قد لا تكون شخصًا، بل ربما تكون حكومة أو جيشًا أو شعبًا بأكمله، في رأيي أن هذا أصل الشرور، حيث لا مكان للتعايش والتسامح والتآخي، وإنما الكراهية والإلغاء والقهر.

أنا لا أقول إننا مغفلون وليس لدينا مصالح، ولكن لدينا شعور خاص في عقولنا وقلوبنا، ونحرص على تضمين الجانب الأخلاقي في كل ما نقوم به من أعمال، ونتجه على صعيد الحكومات والأفراد، خاصة في دول الخليج العربي، إلى التنمية بمختلف أبعادها، بما فيها التنمية الاقتصادية، وعند وقت الحب نعطي بلا حدود، فنحن حقيقة عاطفيون، وهذا المعني الحقيقي للإنسان والإنسانية.
أنا رجل إعلان، وكنا دائمًا نقول إذا أردت أن تدخل صنفًا إلى بيت فعليك معرفة كيف يمكن لهذا الصنف أن يزرع في قلوب وعقول الناس محبتهم له، وكذلك القادة والحكومات، عليهم أن يعرفوا كيف يكونوا محبوبين أكثر من قبل شعوبهم، وما من شك أن الحرب والقتل والتهجير لن تجلب لهم سوى الكراهية، وجعل حياة شعوبهم، بل وحياتهم شخصيا، أكثر خطورة وصعوبة وقلقًا.
وعند الحديث عن الأصناف المحببة، أعتقد أن وكلاء بعض الشركات العالمية في إسرائيل ارتكبوا حماقة كبرى عندما انحازوا إلى طرف القاتل، وجلبوا الضرر ليس لأعمالهم فقط، بل لأعمال تلك الشركات حول العالم، لأنهم حرضوا الناس والمستهلكين على كراهية صنف أو منتج معين، ودفعوهم إلى مقاطعته.
وأوضحت في ذلك المقال أن المقاطعة جلبت الضرر للشركات المحلية المالكة لعلامة الامتياز التجاري للشركات العالمية، رغم أن تلك الشركات يملكها عرب، ويعمل فيها عرب، وتسهم في التنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل، وأصحابها متعاطفون مع القضايا العربية، ويتبرعون باستمرار لغزة تحديدا، لذلك تصبح مقاطعتها كمن يطلق النار على قدميه.
في كلمتي في افتتاح معرض &"المحبة&" قلت إنني حزين ليس فقط لأني عربي، بل لأنني لا أريد أن أرى الدماء تسيل دون معنى، ولا أقبل، وأشعر بالأسى عندما يعطى الإنسان قوة ويسيء استخدامها، ولا يعرف سوى لغة الانتقام الأعمى، خاصة أن إسرائيل قتلت آلافًا مؤلفة من الفلسطينيين، ولم يقتل من جنودها أو سكانها سوى العشرات على مدى السنوات الماضية، حتى أصبح حال القتل المتبادل بينهما كما وصفه الكوميدي السياسي المصري باسم يوسف &"بورصة كريبتو&".
معرض &"المحبة&" الذي جمع فنانين من البحرين ومن دول الخليج العربي أراد بشكل أو بآخر إرسال الرسالة ذاتها للعالم: توقفوا عن القتل والتدمير، واستثمروا في المحبة بدل السلاح، وفي العلم والفكر والثقافة بدل الجهل والكراهية ورفض الآخر. أراد المعرض أن يتجسد مقولة الشاعر الكبير نزار قباني: &"لولا المحبّةُ في جوانحه ما أصبحَ الإنسانُ إنسانا&".
لا يا عالم، لا يا أمريكيا، لا يا غرب، إن إسرائيل لا تحتاج المزيد من السلاح، إسرائيل تحتاج المحبة، وكما تفعلون في بلدانكم عندما تعلمون أولادكم على ضرورة قبول الآخر واحترام الآخر، عليكم بطريقة أو بأخرى أن تعلموا إسرائيل ذلك أيضا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
اقتراح صغير يا ايلاف يا عزيزة
كاميران محمود -

اقتراحي يتعلق بجريدة الجرائد وارجو فيه منكم تجميع اكبر عدد ممكن من صور الكتاب ومقالاتهم في صفحة واحدة مثل غوغل تقريبا او مثل ما كنا نشاهد في الافلام القديمة ك (أحذرهؤلاء) أو (مطلوبين للعدالة) وذلك لتسهيل وتسريع الوصول للمقالات التي تمضي على نشرها يومين او ثلاثة لمتابعة تعليقات جديدة قد ترسل حيث ان وصولي الى مقالي مأمون فندي ومحمد الساعدي لقراءة التعليقات الجديدة قد أخذ مني وقت قراءة مقال كامل (في تقليب الصفحات) مع الشكر والمحبة دائما.

رد على كاميران محمود
سمر -

العزيز كاميران. اقتراحك جيد ونشكرك على التنويه الى صعوبة الوصول لبعض المقالات لمتابعة التعليقات الواردة عليها. سنبحث عن الوسيلة الأنسب لتسهيل الوصول الى المقالات. مع خالص الود أسرة التحرير

الاستاذة العزيزة سمر عبدالملك
كاميران محمود -

كلي زهو وفرح وافتخار بعد ردك السريع الرقيق واقتراحي المؤقت ينحصرفي امكانية نشرالمقالات التي عليها تعليقات تحت شريط(المزيد)كما كنتم تتعاملون مع (الاكثر) قراءة سابقاوالتحية والشكروالمحبة تتجددوتستمرلك ولايلاف دائما.