من يمثل اليمن الجنوبي؟
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
منذ مطلعِ ديسمبرَ (كانون الأول) المنصرم، لم يعدِ اليمنُ الجنوبي ساحةَ خلافٍ سياسيّ قابلٍ للاحتواء، بل تحوَّل اختباراً صريحاً لمعنى التَّمثيل وحدودِ القوة.
ما شهدته حضرموت والمهرة ومحافظاتٌ جنوبية أخرى من تحركات عسكرية قادها المجلسُ الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، وبدعمٍ خارجي، لم يكن حدثاً أمنياً عابراً، بل كان إعلاناً سياسياً عن محاولة فرض الأمر الواقع بوصفه شرعية.
السؤالُ الجوهريُّ هنا لا يتعلَّق بتوازنات الميدان، بل بجوهر السياسةِ، وهو من يمثل جنوب اليمن؟ وعلى أي أساس يقدم المجلسُ الانتقالي ممثلاً حصرياً لجغرافيا متعددة وتاريخ معقد؟
لا استفتاء جرَى، ولا انتخابات عقدت، ولا عقدٌ سياسيٌّ جامعٌ صاغ إرادةً عامة واضحة، ومع ذلك، يتعامل مع القوة باعتبارها تفويضاً، ومع السيطرة بوصفها تمثيلاً، وكأن السياسةَ تختزل في البنادق لا في النَّاس.
الجنوب ليس كياناً أحادياً يمكن اختزاله في مجلس أو قائد، بل هو مساحة واسعة من التنوع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
حضرموت بثقلها التاريخي والاجتماعي ليست امتداداً سياسياً للضالع، والمهرة بخصوصيتها ليست هامشاً تابعاً لأحد، وعدن ليست فصيلاً يمكن ضمه بخطاب تعبوي أو استعراض عسكري، كل محاولة لفرض تمثيل أحادي على هذا الواقع لا تؤدي إلى توحيد الجنوب، بل إلى تفكيكه من الداخل وتعميق الشروخ بين مكوناته.
التاريخ القريب يقدّم درساً لا لبس فيه، ففي زمن الحكم الماركسي، رُفعت شعاراتٌ كبرى عن سلطة الشعب والتحرر، لكنَّ الدولةَ بُنيت على حزب واحد، بلا تعددية ولا تفويض شعبي حقيقي، لم تحسم الخيارات المصيرية عبر صناديق الاقتراع، بل عبر صراعات القوة داخل النخبة الحاكمة، وانتهت تلك التجربة بعد 23 عاماً إلى تصدعات داخلية دامية، أضعفت المجتمعَ قبل أن تُسقط النظام، واليوم تعود الفكرةُ ذاتُها بثوبٍ مختلفٍ وهو استبدال القوة بالسياسة والإكراه بالشرعية.
ما يزيد خطورة هذا المسار أنَّه لا يبقى محصوراً داخل الجنوب، فالتحركاتُ العسكرية خارجَ إطار الدولة، ودون غطاء شرعي، وبقرب الحدود السعودية، لتنقلَ الأزمة من إطارها المحلي إلى مستوى إقليمي أوسع، وهنا لا يعود الحديث عن خلاف داخلي، بل عن تهديد مباشر للاستقرار. ولهذا جاءَ الموقفُ السعوديُّ واضحاً وحاسماً حينما ضربت مقاتلاتُ تحالفِ دعم الشَّرعية السفنَ القادمة من الفجيرة والتي كانت تحمل أسلحةً وذخائرَ إلى ميناء المكلا لدعم قوات المجلس الانتقالي، ليصدر بعدها بيانٌ أكَّدت فيه السعودية أنَّ أمنها خط أحمر، وأي محاولة للمساس به ستتم مواجهتُها بلا تردد.
وأصبح من الضروري أن تدرك قوات المجلس الانتقالي حدودَها السياسية والجغرافية، وأن تعيَ أنَّ وجودَها في محافظات كحضرموت والمهرة لا يستند إلى تفويض أهلها ولا إلى شرعية الدولة، وأنَّ الخروج من هذه المحافظات هو قرار لتصحيح مسار خاطئ، فالسياسة لا تدار بالشعارات، ولا تبنى بالسيارات المصفحة، ولا تشترى بالدعم الخارجي، فالسياسة فعلٌ مسؤول، يقوم على القبول الشعبي، لا على استعراض القوة.
وفي مشهد لا يخلو من المفارقة، يظهر دعمٌ لمشروع يتحدَّث باسم الجنوبِ من أطرافٍ لا تنتمي إليه جغرافياً، في إشارة إضافية إلى أنَّ القضية تستخدم أحياناً كورقة نفوذ وصراع، لا كملف إنصاف سياسي حقيقي، هذا الاستخدام البرغماتي يضاعف أزمة الثقة داخل المجتمع الجنوبي والإقليمي، ويقوض أي ادعاء بالتمثيل.
الخلاصة واضحة وهي أنَّ التمثيل لا يفرض بالقوة، ولا يستورد من الخارج، ولا يصاغ في غرف العمليات، بل هو مسارٌ سياسيٌّ يبدأ بتفويض شعبي صريح، وينتهي بمؤسسات تعبر عن الإرادة العامة، وكل ما عدا ذلك، مهما بدا صاخباً أو مسلحاً، يظل ادعاءً مؤقتاً وقفزاً في الظَّلام في صراع طويل على الشرعية.