جامعات السُّوق... حينَ تتحوَّل الشهادة سلعة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
لم تعد أزمة التعليم العالي في المنطقة تُقاس بعدد الجامعات أو فخامة مبانيها، بل بقدرة الشهادة على أن تكون ضمانة كفاءة لا ورقة عبور، وفي لحظة تزداد فيها المنافسة على الوظائف، وتضيق فيها فرص الاقتصاد المنتج، تتحوَّل بعض المؤسسات الجامعية - خصوصاً في البيئات المضطربة سياسياً واقتصادياً - إلى ما يشبه السوق: رسوم مرتفعة، ووعود بالتخرج السريع، ونزعة لتلطيف الامتحان بدل تشديده، والنتيجة، كما يشتكي كثيرون: «أمية مؤهلة» تتكاثر على هيئة شهادات. إنَّ هذا الحديث لا يشيطن التعليم الأهلي بوصفه فكرة؛ فالعالم مليء بجامعات خاصة مرموقة، والمشكلة في النموذج التجاري حين يسبق الربحُ الجودةَ، وحين تُمنح تراخيص التأسيس بلا حدّ أدنى صارم للبنية الأكاديمية والبحثية والتدريب العملي، عندها تصبح الجامعة، تدريجياً، مشروعاً خدماتياً وليس مشروعاً معرفياً: تخصصات تتوسع بلا مختبرات كافية، مناهج تُدرّس كملخصات، ونشاط بحثي هامشي، بينما تُدار العملية التعليمية بمنطق الزبون، لا بمنطق الطالب.
في كثير من البلدان التي تعرضت إلى تغييرات حادة في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية كالعراق مثلاً، يتخذ الأمر بعداً أخطر، لأنَّ الشهادة لا ترتبط فقط بسوق عمل هشة، بل غالباً بسلم الرواتب والامتيازات داخل جهاز دولة متضخم؛ ما يجعل الإغراء مضاعفاً: شهادة أعلى تعني راتباً أعلى، ولهذا اكتسب ملف الشهادات المزورة حساسية استثنائية، وقد حذرت منصات دولية متخصصة في أخلاقيات التعليم من أثر تزوير الشهادات على هيبة التعليم في العراق، وعلى العدالة داخل المؤسسات، حيث أظهرت تداولات عراقية داخلية أرقاماً صادمة تُستخدَم لتوصيف حجم المشكلة؛ من بينها إحصائية نشرها الكاتب في منصة «إكس» تتحدث عن مليون وثيقة مزورة، و17 ألف وثيقة عراقية مزورة كُشف عنها في لبنان، فضلاً عن تقديرات تشير إلى عشرات الآلاف من شهادات الدراسات العليا المزيفة، ربما تختلف دقة الأرقام بين مصدر وآخر، لكن الرسالة واحدة: هناك أزمة نزاهة تهدد وظيفة التعليم بوصفه معياراً للكفاءة.
أما لبنان، فهو يعاني من الشهادات والنزاهة الأكاديمية، ليس اليوم بل منذ سنوات طويلة، حيث تناولت تقارير إعلامية وملفات أمنية لبنانية خلال السنوات الماضية شبكات تبيع شهادات أو تزوّر ملفات معادلة، بينما تحدثت تقارير صحافية عربية عن بيروت بوصفها محطة «تبييض» لشهادات مزورة تخص طلاباً عراقيين عبر بوابة معادلات وتصديقات. كما شهدت الجامعة اللبنانية الرسمية نفسها موجات اتهامات وتحقيقات تتعلق بالتلاعب بالدرجات أو الامتحانات، الأمر الذي يضرب سمعة المؤسسة الأم ويزيد ضغط الثقة على التعليم العالي كله.
وإذا كانت التجارب العراقية واللبنانية تبرز في الإعلام العربي لأسباب تتعلق بتداخل السياسة والاقتصاد والهجرة التعليمية، فإنَّ إيران تقدم وجهاً آخر للأزمة: «اقتصاد الغش» المرتبط بالأبحاث والرسائل، فمنذ سنوات يجري الحديث عن ظاهرة «الكتابة بالأجر» والغش في الأعمال العلمية، إلى حد أن مؤسسات أكاديمية إيرانية نشرت نصوصاً لقانون خاص بـ«الوقاية ومكافحة الغش في إعداد الأعمال العلمية»، أي أن الدولة نفسها تعترف بوجود مشكلة تتطلب تشريعاً ورقابة، حتى وإن اختلفت تمظهراتها بين شهادة مزورة وبحث مزور.
المفتاح في كل هذه الحالات واحد: عندما تُفقد الامتحانات نزاهتها وتُختزل الشهادة إلى ورقة، تنتقل العدوى بسرعة إلى المجتمع، فالطبيب والمهندس والصيدلي ليسوا ألقاباً تجميلية، بل مسؤوليات تمس حياة الناس وأمنهم، ومن هنا تتبدى خطورة توسيع كليات حساسة في بيئات رقابية ضعيفة، لأن تكلفة الخطأ فيها ليست مالية فقط، بل إنسانية أيضاً، إذن كيف نكسر الحلقة؟ لا بالخطاب الأخلاقي وحده، بل بقرارات تنظيمية قابلة للقياس وأقترح:
أولاً: تشديد شروط منح إجازات تأسيس الجامعات الأهلية، وربط الترخيص بحد أدنى من الكادر الدائم (لا الزائر فقط)، وبالمختبرات، والبنية السريرية للتخصصات الصحية، وبساعات تدريب معتمدة، وبخطة بحثية واضحة. والترخيص هنا يجب أن يكون قابلاً للسحب إذا تراجع الأداء أو ثبتت مخالفات نزاهة.
ثانياً: تأسيس مجلس حكومي أعلى للتعليم الجامعي، مستقل في قراره الفني، يضم خبراء أكاديميين وقانونيين، ومن أهم واجباته التقييم الدوري للمستوى العلمي للجامعات وكلياتها، ولا يكفي التفتيش الإداري؛ المطلوب قياس مخرجات عبر اختبارات معيارية لبعض التخصصات، تدقيق نزاهة الامتحانات، مراجعة المناهج، وإصدار تقارير علنية تُعرّف المجتمع بترتيب الجودة لا بترتيب الإعلانات.
ثالثاً: تحديد أجور الدراسة ضمن سقوف منطقية تُراعي دخل العائلات وتمنع الاستنزاف المالي تحت عناوين خدمات إضافية. ضبط الرسوم ليس حرباً على الاستثمار، بل حماية للمجتمع من تحويل التعليم إلى رهينة للقدرة المالية، وحماية للطلبة من الوقوع في وهم الدفع مقابل النجاح.
رابعاً: منح حوافز وإغراءات للجامعات المتفوقة علمياً - دعم بحثي تنافسي، تسهيلات ضريبية، منح تطوير مختبرات، وتقدير رسمي ينعكس على السمعة - حتى يصبح التميز مكسباً اقتصادياً أيضاً، فالتنظيم الذكي لا يعاقب فقط، بل يكافئ الجودة ويجعلها معيار السوق الحقيقي.
خامساً: وقف منح تراخيص فتح كليات الطب والصيدلة في الجامعات الأهلية لمدة عشر سنوات على الأقل، إلى حين بناء منظومة اعتماد صارمة تضمن التدريب السريري، والمختبرات، ونزاهة القبول والامتحانات، وتضمن أن الشهادة الصحية لا تُستنسخ على ورق. هذا الاقتراح قد يبدو قاسياً، لكنه - في بيئات هشة - أقرب إلى تجميد وقائي يحمي المجتمع إلى أن تستقيم قواعد الاعتماد.
سادساً: التشديد في شروط مؤسس الجامعة وصاحبها وممولها ومستوييهم العلمي والاجتماعي.
في النهاية، المعركة ليست بين حكومي وأهلي، بل بين تعليم يصنع مهارة وتعليم يبيع ورقاً، ومع انكشاف ملفات التزوير والاتجار بالشهادات في أكثر من بلد، يصبح السؤال ملحاً: هل نريد جامعة تُضيف إلى الاقتصاد كفاءة، أم جامعة تُضيف إلى الدولة عبئاً جديداً من البطالة والشك وانهيار الثقة؟ إعادة الاعتبار للمعايير هي الطريق الوحيد كي تستعيد الشهادة معناها، ويستعيد التعليم دوره بوصفه سُلّماً للفرص لا سوقاً للوهم.