متحف حُبّ يحمل اسم فاروق حسني
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الحفاوة التي يلقاها الفنان التشكيلي الكبير وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني، أراها تعبيراً مباشراً وصادقاً عن الإنجاز الذي حققه، وهو جالس على المقعد الرسمي أو خارجه. ما شاهدته قبل ساعات قليلة افتتاح متحف يحمل اسمه باعتباره أحد أهم حراس وصنّاع الثقافة ووزيراً تاريخياً شغل هذا المنصب على مدى يقترب من ربع قرن، في زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك. الحالة الثقافية بطبعها في أي مجتمع تتأثر بكل المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها البلد، وبطبعها لا تعرف الثبات. فاروق حسني كان يتمتع بقدر من المرونة تهضم مفردات الزمن، وتؤهله لاستيعاب كل جديد.
منذ خمسة عشر عاماً وهو خارج أي منصب رسمي، إلا أن إبداعه الخاص والعام لم يتوقف، ولا يزال بداخله شحنات تومض في وجدانه ويسكبها بريشته على لوحاته، وتحصد العديد من الجوائز في المعارض العالمية.
طاقته الكبرى لا يزال يمنحها لكل المبدعين؛ يقيم العديد من المسابقات في مختلف الفنون، ورصد لها من أمواله القسط الأكبر، لتظل من خلال المؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه تنير الطريق في السنوات القادمة، لكل من يستحق، كما أنه يكرّم في كل عام أحد الشخصيات الفاعلة في حياتنا الثقافية، ويترك للجان التحكيم حرية مطلقة في الاختيار. أتذكر أنه طوال رحلته كمسؤول كان بيننا مساحة من الاختلاف، إلا أنه يطبق الديمقراطية أولاً على نفسه، ولا ينفرد بالرأي، ولم يحدث أن رأيته يوماً يصفّي حساباته مع أحد.
مع الزمن بدأت أتلمس تفاصيل إيجابية في شخصيته وقراراته. أهم اكتشاف أنه لم يكن يمارس وظيفة وزير، بل اتضح لي عملياً، من خلال العديد من المواقف، أن العطاء الثقافي موهبة أصيلة. أتاحت له الظروف، في مرحلة زمنية، أن يعتلي كرسي الوزارة، فصارت الهواية احترافاً. وجوده على الكرسي مكّنه من اختصار الزمن في الكثير من القرارات التي تحتاج إلى تحطيم «التابوهات» الممنوعات في توقيتٍ فارق.
بعد نحو ربع قرن كان ينبغي أن يودّع الموقع الرسمي، إلا أنه لم يتوقف عن العطاء؛ رصد كل إمكاناته في إقامة مسابقات للعديد من الموهوبين، ولديه مؤسسة نشطة جداً في هذا المجال الحيوي، ومن دون أي مساعدة من أحد يتحمل كل الأعباء الاقتصادية. وبدأت في أعماقي أعيد رسم «بورتريه» آخر للفنان الكبير.
بين الحين والآخر علينا أن نعيد «تفنيط» أوراق مشاعرنا، وأول ما نفعله أن نبتعد عن الاستسهال في إصدار الأحكام، ونعيد النظر بدقة أكثر، وتتسع أيضاً زاوية الرؤية.
تفاصيل عديدة في حياتنا ربما للوهلة الأولى لا تستشعر أهميتها، ولكن مع استعادة اللحظة نكتشف خلالها أننا لا نرى سوى جانب واحد من الصورة، في حين أن الحقيقة متعددة الجوانب.
جاء افتتاح متحف فاروق حسني وكأنه بمنزلة إعلان جماعي عن الحب والتقدير الذي يتمتع به من الجميع، على اختلاف مشاربهم. العديد من الوزراء والقيادات المختلفين فكرياً، اجتمعوا على حب وتقدير إنجاز فاروق حسني.
المتحف يضم بالإضافة للوحاته أيضاً لوحات لكبار الفنانين المصريين والعرب والعالميين، مع مكتبة عامرة بأمهات الكتب النادرة، ليظل هذا الإشعاع قادراً على الحياة، ويشير دائماً بحروف من نور إلى اسم فنان كبير ملهم واستثنائي.