الجيش اللبناني يفتح صفحة جديدة في «جنوب الليطاني»
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
لا يمكن التقليل مطلقاً مما حقَّقه الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني. ولعلَّ الوصف الأمثل لهذا الواقع الميداني (مع كل ما يعنيه في السياسة) هو ما قاله رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، من أنَّها المرة الأولى التي تسيطر فيها الدولة تماماً على منطقة الجنوب منذ عام 1969. فالمؤسسة العسكرية اللبنانية أثبتت في هذه الخطوة جديتها وحرفيتها، على الرغم من الأعباء الهائلة الملقاة على عاتقها، في ضبط الحدود، ومداهمة أوكار المخدرات، وملاحقة الخلايا الإرهابيَّة، فضلاً عن مهام لوجستيَّة أخرى مرتبطة بالأمن الداخلي اللبناني.
ومع تنامي المسؤوليات على كاهل الجيش اللبناني، تبرز الحاجة لتوفير مزيد من الدعم له، وتعزيزه بالعديد والعتاد، لكي يقوم بدوره على أكمل وجه، وليصبح الجهة الشرعية الوحيدة التي يحق لها حمل السلاح (مع بقية الأجهزة الرسمية اللبنانية بطبيعة الحال) أسوة بما هو معمول به في كل دول العالم؛ إذ لا تعددية في السلاح، ولا تعددية كذلك في قرار الحرب والسلم. ولا يمكن إغفال أن قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان (اليونيفيل) تنتهي ولايتها في آخر عام 2026، وسيصبح الجيش مسؤولاً وحيداً عن أمن الجنوب اللبناني.
والإنجاز الذي تحقق في منطقة جنوب نهر الليطاني يجب أن يكون بمثابة مقدمة، لينسحب على منطقة شمال الليطاني؛ حيث ليس هناك ما يبرر بقاء السلاح فيها، ليس تطبيقاً لاتفاقية وقف إطلاق النار التي لا تلتزم بها إسرائيل ولا تعيرها أي اهتمام يُذكر؛ بل تطبيقاً لاتفاق الطائف الذي دعا لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية من دون استثناء. وحان الوقت لتطبيق اتفاق الطائف بعد أكثر من 25 عاماً على التوصل إليه.
صحيحٌ أن إسرائيل تكرِّس في لبنان وغزة قواعد جديدة، منها –مثلاً- رفض الانسحاب من النقاط الخمس المحتلة، ومواصلة انتهاك السيادة اللبنانية من دون حسيب أو رقيب؛ ولكن السلاح الذي احتُفظ به في فترة من الفترات تحت عنوان «الردع» سقطت وظيفته ولم يعد يحقق هذه المهمة التي قيل إنها نجحت بين عامي 2006 (تاريخ آخر حرب بين إسرائيل و«حزب الله») و2024، أي الحرب الأخيرة التي غيَّرت كل قواعد اللعبة وموازين القوى.
فمن القواعد الجديدة التي تكرسها إسرائيل: الخرق الأحادي لاتفاقات وقف إطلاق النار، سواء في لبنان أم في قطاع غزة، من دون أن يرتب ذلك عليها أي مسؤوليات عملية أو سياسية أو عسكرية. وهذا عرفٌ جديدٌ في المجال الدولي: إصرار طرف ما على انتهاك وقف إطلاق النار بعد التوصل إلى اتفاق، بذريعة أن ما يقوم به يدخل ضمن نطاق صلاحياته ودوره.
مهما يكن من أمر، طالما توفَّر الغطاء الأميركي لإسرائيل (وليس هناك ما يوحي بأن ذلك الغطاء سوف يسقط)، وطالما انتهكت إسرائيل القوانين الدولية والأعراف المتبعة واتفاقيات وقف إطلاق النار، وطالما استطاعت التملص من أيٍّ من التزاماتها وتواقيعها. هذه هي سمة المرحلة الجديدة التي دخل فيها الشرق الأوسط بعد الحروب الإسرائيليَّة الأخيرة في المنطقة.
وغني عن القول طبعاً إنَّ العملية العسكرية الأميركية لاحتجاز الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وإحضاره من قلب القصر الرئاسي الفنزويلي في العاصمة كاراكاس إلى نيويورك للمثول أمام محكمة أميركية، قد أعادت خلط الأوراق من جديد على المستوى الدولي. حتى حلفاء الولايات المتحدة صاروا أكثر ريبة منها من أخصامها؛ ذلك أن الإدارة الأميركية أثبتت بهذه الخطوة أنها لا تقيم وزناً لأي طرف آخر أمام مصالحها المباشرة.
واضح أنَّ العالم بات أمام حقبة جديدة من العلاقات الدولية، والواضح أكثر أن العديد من الثوابت المتصلة بالحريات وحقوق الإنسان والديمقراطية آيلة إلى السقوط التدريجي، ولن تكون سوى شعارات استهلاكية فارغة.