جريدة الجرائد

مصر الولادة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

ثلاثية السفير المرحوم محمد توفيق وهي بعنوان "الملك والكتابة" لا تكتفي بتسجيل الوقائع أو تأريخ الأحداث، بل تحاول تفكيك بنية الصراع ذاته، فيتحول الحبر عند محمد توفيق من أداة مهنية إلى فعل مقاومة. ويكشف لنا أحداثاً لو وعاها الجيل الجديد، لعرف قيمة الكلمة، ونضال النخبة المصرية مدى أكثر من قرن ليس ضد السلطة، بل ضد أفكار متحجرة أيضاً. النهضة العربية تدين إلى تلك الكوكبة المصرية في صحافة مصر بقيادة التنوير. يسرد توفيق تاريخ الصحافة المصرية منذ ما قبل مطلع القرن العشرين حتى نهايته، عندما بدأت الصحافة بالتشكل حتى اشتد عودها، ليؤكد أن الصراع على حرية التعبير، سبق الصراع الحزبي والتنظيمي، ومطالب التحرر كانت بذرتها قديمة. في تلك المرحلة، لم يكن الصحافيون وحدهم في المواجهة، بل شارك بعض شيوخ الأزهر رجال الدين المسيحيين في هذا الاشتباك المبكر مع السلطة الخديوية، بل حتى أهل الفن. يورد الكاتب وقائع محددة عن شيوخ وقساوسة، استخدموا المنابر والصحف والعرائض المكتوبة للاعتراض على سياسات الخديوي، على تعدد أسمائهم، بخاصة في ما يتعلق بالظلم الإداري والتدخل في شؤون الوقف والتعليم وقمع الحريات. وقد دفع بعض هؤلاء ثمن مواقفهم بعزلهم من مناصبهم أو نقلهم قسراً، في رسالة واضحة مفادها أن الكلمة، حتى لو خرجت من عباءة المؤسسة الدينية، تظل مصدر قلق للسلطة. منيرة المهدية أشهر مغنية مطلع القرن الماضي، توسطت لأحد المناضلين للخروج من السجن. اشترط الضابط البريطاني أن تتزوجه (لصرفه عن السياسة)، وتم الزواج بالفعل... مجلة "السفور" التي صدرت في أوائل القرن ينقل عنها توفيق أن "الحجاب ليس على المرأة المصرية، بل الحجاب على المجتمع"، وقد آن أوان نزع حجاب المجتمع، ذلك قبل الحرب الأولى! في هذه المرحلة الطويلة من الزمن، كانت الصحافة المصرية تعيش حالة مدّ وجزر دائم. تُغلق الصحف بقرارات إدارية، وتُصادر الأعداد، ويُستدعى الصحافيون للتحقيق، لكن اللافت – كما يلاحظ محمد توفيق – أن الصحف كانت تعود الى الصدور بأسماء جديدة، وبالروح ذاتها. ومع ثورة تموز/يوليو 1952، تدخل العلاقة بين الصحافة والسلطة مرحلة مختلفة جذرياً. في البداية، نشأ تحالف واضح بين الطرفين. رأى كثيرون من الصحافيين في الثورة خلاصاً من فساد النظام الملكي ومن هيمنة الاحتلال، فدافعوا عنها بحماسة، واعتبروا أنفسهم جزءاً من مشروع التغيير. لكن هذا "الحب" لم يدم طويلاً. سرعان ما بدأت السلطة الجديدة تنظر إلى الصحافة بصفتها عدواً لا شريكاً نقدياً، وبدأت ملامح الصدام تظهر، وتبين أن الحرية النسبية قبل الحكم الوطني، أفضل نسبياً مما حدث بعد الحكم الوطني. كان السجن لمن يكتب المقال، فأصبح السجن لمن يقول نكتة! مثال محمود السعدني بعد تولي السادات الحكم، قال لأصحابه في خلوة: "ذهب الذي يموتنا من الخوف، فجاء من يموتنا من الضحك" فذهب إلى السجن! يوثق محمد توفيق نماذج عديدة لصحافيين دافعوا عن فكرة التغيير، لكنهم طالبوا في الوقت ذاته بحدود واضحة للسلطة، وبالانتقال من شرعية الثورة إلى شرعية المؤسسات والقانون. هؤلاء، كما يشرح الكاتب، لم يكونوا أعداء للنظام، بل إصلاحيين من داخله، ومع ذلك دفعوا ثمناً باهظاً. بعضهم سُجن، وبعضهم أُبعد عن مواقع التأثير، وبعضهم مُنع من الكتابة. ويشير توفيق إلى ما يسميه "ثمن الحرية" في إشارة رمزية إلى أولئك الذين طالبوا بتصحيح المسار لا بهدمه، فكان جزاؤهم الإقصاء أو السجن، أو وظائف إدارية. في العقود اللاحقة، ومع ما بدا أنه انفتاح نسبي وعودة للصحافة الحزبية والخاصة. يوضح محمد توفيق أن الصراع لم ينتهِ، بل تغيّر شكله. لم تعد السلطة بحاجة إلى مصادرة الصحف بالجملة، بل أصبحت أكثر براعة في إدارة النقد واحتوائه. تُفتح هوامش للتعبير، لكنها هوامش مرسومة بدقة. من يتجاوزها يُحاصر اقتصادياً، أو يُشوَّه أخلاقياً، أو يُغرق في قضايا قانونية طويلة تستنزف طاقته وموارده. ما يميز ثلاثية "الملك والكتابة" أن محمد توفيق لا يقع في فخ التقديس الرومانسي للصحافة. فهو يعترف بأن بعض الصحافيين انخرط طوعاً في خدمة السلطة خوفاً أو تزلفاً، وأن آخرين استخدموا أقلامهم لتحقيق مصالح شخصية أو للابتزاز السياسي. لكنه في المقابل ينحاز بوضوح إلى أولئك الذين رأوا في الكلمة التزاماً أخلاقياً حيال المجتمع، ودفعوا ثمن ذلك من حريتهم وأعمارهم. في خاتمة مشروعه، يؤكد محمد توفيق أن الصراع بين السلطة والكلمة صراع بنيوي لا ينتهي. فكل سلطة تميل بطبيعتها إلى احتكار الرواية، وكل صحافة حقيقية تسعى إلى كسر هذا الاحتكار. وبين الميلين تولد المعركة الدائمة: حبّ حين تحتاج السلطة إلى الكلمة لتبرير نفسها، وحرب حين تخشاها، وحبر يبقى أثره حتى بعد أن يجف. بهذا المعنى، فإن ثلاثية "الملك والكتابة: حبّ وحرب وحِبر" ليست مجرد ثلاثية كتبت عن تاريخ الصحافة في مصر، بل قراءة عميقة في معنى الحرية ومسؤولية المثقف، وكفاح عدد من الصحافيين المصرين للسير في الحداثة وتقدم المجتمع إلى الأفضل. والقارئ ربما يعجب أن روح الاستقلال وحرية الصحافة، وأهمية القانون واكبت الدعوات الصحافية المصرية لأكثر من قرن. إنها تذكير بأن روح المقاومة في إبداء الرأي لم تكن استثناءً في التاريخ المصري، بل كانت – ولا تزال – أحد ملامحه الثابتة، وأن الحِبر، مهما بدا هشاً، يظل أحد أخطر أدوات التغيير في مواجهة السلطة، فالكلمة تترك أثراً أكثر مما يترك السيف.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف