جريدة الجرائد

عام 2026 الانتقال لمرحلة جديدة في الحروب الاقتصادية

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

محمد سليمان العنقري

شهد العام الماضي تحولا متصاعدا في مواجهات العالم اقتصاديا، حيث أطلقت أمريكا شرارة تلك الحرب بشكل جديد وأدوات أشبه بأسلحة فتاكة كالقيود التجارية على بعض السلع والمنتجات ولكن يبقى أهمها فرض رسوم جمركية مرتفعة على جميع دول العالم، لكنها وضعت مستويات مرتفعة جدا ضد أكبر شركائها التجاريين مثل الصين وأوروبا وكندا والمكسيك على وجه الخصوص ورغم أن الرسوم كانت ورقة تفاوض بشكل أساسي وتهدف إلى أن لا يقل الرسم الجمركي عن 10 في المائة بنهاية المطاف وليس المستويات التي كان يهدد بها كبار شركاء أمريكا تجاريا، بعد أن فرض عليهم لفترات قصيرة مستويات فاقت 50 في المائة ووصلت لضعف هذا الرقم مع الصين إلا أن الشرخ الذي حدث بين كبرى الاقتصادات العالمية مع أمريكا لن يتم ترميمه، بل نقل العلاقة من شراكة لندية على كافة المستويات.

لكن هذا العام بدأ بنقلة لمستوى جديد من المواجهات بين أمريكا الغارقة بديونها السيادية وضعف قطاعها الصناعي والتضخم الذي أصبح متجذرا في اقتصادها نتيجة سياسات نقدية مرنة لأعوام طويلة جدا من بدابة الألفية الحالية مع تيسير كمي هائل أضعف الدولار وقلص دوره في التجارة والاحتياطيات والاقتراض العالمي وعجز مستفحل بالميزان التجاري مع صعود قوى ناشئة بدأت تأخذ مكانتها بالاقتصاد العالمي ولكن تبقى الصين هي أهم منافس لأمريكا وتأتي خلفها من حيث حجم الناتج الإجمالي أما أوروبا فرغم ما تعانيه من مخاوف جيوسياسية والتي تحتاج فيها لأمريكا لمواجهة روسيا في حربها على أوكرانيا لكنها لم تغفل عن التحول نحو تقليص اعتمادها على واشنطن سياسيا وعسكريا وبكل تأكيد اقتصاديا بل إن بداية هذا العام شهدت تحولا بالخطاب نحو روسيا من قطيعة وعداء إلى الإعلان صراحة عن أن الوقت أصبح فيه الحوار المباشر مع روسيا ضروريا وذلك بعد أن أصبحت موسكو وواشنطن يتحاوران حول أوروبا دون وجود أي ممثل للقارة العجوز في تلك المباحثات وهذا ما يمثل خطرا كبيرا عليهم.

كما أن التطورات التي حدثت بداية هذا العام من اعتقال أمريكا لرئيس فنزويلا مادورو من بيته ونقله لنيويورك لمحاكمته على دعمه لتجار المخدرات الذين يصدرون سمومهم القاتلة للمجتمع الأمريكي بحسب ادعاء أمريكا عليه مثل صدمة عالمية ومشهدا أعاد للأذهان اعتقال حاكم بنما من قبل أمريكا قبل نحو 35 عاما لكن ما حدث مع فنزويلا يختلف جذريا، فهناك أسباب ظاهرة مثل دعم تجار المخدرات وهناك حديث يوجهه الرئيس أيضا للمجتمع الأمريكي بأنه يريد استرداد حقوق شركات النفط الأمريكية بعد طردها وتأميم قطاع النفط الفنزويلي عام 1975 حيث حكم لهم بتعويضات بعشرات المليارات لكن لم يدفع منها شيء وبالتالي يسعى ترمب للقول ان أعيد لكم حقوقكم المنهوبة إلا أن الهدف الإستراتيجي هو إبعاد الصين عن الحديقة الخلفية لأمريكا حيث تسود لديهم عقيدة راسخة بأنه لا يجب أن يتواجد أي قوة أجنبية بجانبهم باعتبار أن فنزويلا تقيم علاقات مميزة مع الصين وروسيا وإيران.

كما أن التوجه للسيطرة على غرينلاند يصب في ذات الاتجاه فالهدف هو أمني وعسكري كون هذه الجزيرة يمكن أن تكون مرصدا لكل سواحل أمريكا للسفن الروسية والصينية التي تبحر بجانبها مما يعده الأمريكيون تهديدا لأمنهم القومي ويبدو أن تحركات أمريكا هذا العام ستكون جغرافية أي عقد تحالفات أو فرض سيطرة على قرار دول بجانبها أو جزر في محيطات العالم خصوصا القريبة من الصين بخلاف غرينلاند ليكون لها هامش مناورة كبير ضد بكين بل إن مرحلة ما قادمة باتجاه عقد تحالف واسع مع دول آسيا الوسطى وبالرغم من القطيعة والعداء مع إيران إلا أن أمريكا تنظر لها بأهمية كبيرة لعدة أسباب منها إبعاد دول عديدة عن مبادرة الحزام والطريق الصينية بتعويضها بشراكة إستراتيجية مع واشنطن وكذلك سيكون لأي علاقة معها دور مهم في إقامة تحالف مع دول آسيا الوسطى لأنها تطل على أهم الدول في تلك المنطقة إضافة لكونها مزود طاقة رئيس للصين وهو ما يوضح اهتمام الرئيس ترمب بفتح حوار وتفاوض مع الحكومة الإيرانية حول عديد من الملفات الخلافية بينهما لعودة العلاقات بينهما وفتح صفحة جديدة مبنية على شراكات تجارية واقتصادية بالمقام الأول فالتحول بالعلاقة بين أمريكا وطهران قادم ولن تبقى القطيعة مستمرة وذات الأمر ينطبق على كل تحركات أمريكا القادمة فهي تريد تموضع جغرافي واسع النطاق لتتمكن من إبطاء نمو الصين وتقدمها الصناعي والتكنولوجي والتجاري حتى لا يصبح اليوان هو بديل الدولار عملة الاحتياط الأولى حاليا خلال عقود قليلة قادمة فهو حجر الزاوية بأهم معايير القوة الأمريكية.

العام الحالي سيشهد تحولات بالعلاقات الدولية والشراكات والتحالفات ضخم جدا وتعتزم أمريكا الانتقال لمرحلة جديدة تعزز من انتشارها الجغرافي بكل القارات وبالقرب من الصين وذلك لتعويض ما خسرته سابقا عندما تركت الساحة للصين بعد أن أطلقت الأخيرة مبادرة الحزام والطريق عام 2013 التي عززت حضورها وشراكاتها الدولية وأسهم ذلك بتسارع نمو اقتصادها في الوقت الذي استهانت فيه أمريكا بخطوات الصين وانشغلت عنها بتوجهات فكرية وسياسية ومغامرات عسكرية مرهقة كبدتها تريليونات من الديون وثبت فشل أهدافها وأدت لتفاقم مشكلات اقتصادها وكذلك خسارة جزء من مكانتها الدولية ومصالحها مع عديد من دول العالم التي كانت تربطها بواشنطن علاقات تجارية واقتصادية كبيرة فتحول جزء مهم منها لصالح الصين.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف