جريدة الجرائد

أجواد العرب من الأجداد للأحفاد

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

علي الخزيم

تناول الحديث بين أصدقاء بجلسة سَمَر ذِكْر محاسن رجل نبيل رحل عن دنيانا مؤخرًا؛ وأخذ بعضهم يروي شيئًا من مناقبه وشِيَمه العربية الإسلامية الإنسانية، إلَّا أن أحدهم قد عَقَّب بقوله: نعم؛ كان -رحمه الله- كما تقولون غير أن به من الطباع والصفات كذا وكذا، وكأنه أراد أن يُعبّر عن عدم رضاه بمنحه تلك الصفات الطيبة! فجاء الرد عليه بأن من تُعَدّ عيوبه فهو في عداد المتميزين بالمجتمع، وأن الكمال صفة لا ينالها البشر وإن اجتهدوا، ولو جعلنا أمام كل مَنْقَبَة لإنسان مَثْلَبة لما بقي للثناء حَيّز يُرضَى ويُقبل!

ومن آداب المجالس عند العرب حتى الساعة الإغضاء عن ذِكر الغائب والمُتوَفّى بسوء ولا سيما من عُرف بالفضل والكرم وجميل الأخلاق، لثبوت القناعة التامة أن الله سبحانه قد جعل الفروق الفردية بين عباده؛ وأن منظومة السجايا الحميدة هي مِن النِّعم التي يهبها الخالق -جل شأنه- لمن يريد من خلقه؛ كما يرزق آخرون المال والصحة والأبناء وهكذا؛ فهي أرزاق ومِنح ينالها الخلق بِنِسَب غير ثابتة وتَصنِيف مختلف لحكمة يعلمها من خلق الأنفس وأوجد فيها التباين بالفكر والعواطف والطباع والميول والمشاعر، فمن وُفِّق لسبيل من سُبل الخير قد يجانبه التوفيق لطريق آخر وهذه طبيعة البشر؛ فلِمَ لا تكون قاعدة لتجنب تَصَيُّد نقائص غيرنا.

لو كان المُتحَدَّث عنه أحد أجواد العرب المشهورين من الأقدمين لما تعرض له الجُلساء بالقَدح؛ ذلكم أن الراسخ بالأذهان عنه صفة السخاء والكرم وحسب؛ فتتباين الرؤية تجاه السَّخي الذي رحل مؤخرًا وبقي ذكره الحَسَن؛ فلأن بعضهم قد عاصروه في حياته وعرفوا عنه ما عرفوا فاستَحضَرت أذهانهم شيئًا من سِيرته، ولو استعرضت سِيَر الماضين من كرماء العرب ومشاهيرهم لوجدت ذات المقاييس التي لا تَرتَقي بهم إلى صفة الكمال البشري، فالسَّخي قد يكون جبانًا والشجاع قد يكون شَحيحًا، وكذا ببقية الصفات التي جُبِل عليها البشر، وهنا تحسُن الإشارة إلى أن مَفخرة السّخاء عند العرب تمتد طبعًا وسَجيّة إلى أعقابهم؛ فكيف نُمجّد أولئك وننسى هؤلاء؟!

ومن دواعي توارث أجيال العرب للكرم أنه أصبح عادة محمودة يشار لصاحبها بعبارات الثناء والإطراء؛ فكان الأبناء يحتذون بآبائهم وأجدادهم، وزاد من تَعمّق الصّفة الطيبة عند أولئك الأفذاذ طبائع البيئة والحالات الاجتماعية التي دعتهم لمواساة ورفادة المُعوِزين فكانت محل استحسان الأجيال المتعاقبة إلى أن ثبتت سِمة معروفة وشيمة منشودة لذوي الهمم العالية والنفوس الكبيرة، فشاع بينهم تعظيم شأن الكرم وأصحابه فتغنى بهم الشعراء وسجلوا مواقفهم النبيلة بأجود أشعارهم لتدركها وتقتدي بها الأجيال اللاحقة.

ومنه قول الشاعر الفارس الكريم (عُروة ابن الوَرد) العَبسِي؛ يَرُد ويفتخر على مَن لامه لتشعّب وامتداد كرمه:

(إِنّي امرُؤٌ عافي إِنائِيَ شِركَةٌ

وَأَنتَ امرُؤٌ عافي إِنائِكَ واحِدُ

أُقَسِّمُ جِسمي في جُسومٍ كَثيرَةٍ

وَأَحسو قَراحَ الماءِ وَالماءُ بارِدُ).

والمعنى: إني حين أضع إناء طعامي يُشاركني فيه الضيف والمحتاج؛ فِيمَ أنت رجل تأكل وحدك؛ فعافي إنائك واحد! وقالت العرب: (أصل العافي من عفاه واعتفاه؛ إذا طلب معروفه فأعفاه: أي أعطاه).

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف