السينما وصناعة الثقافة السوداء
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
سهام القحطاني
كان ظهور السينما ثورة تغيّرية في ثقافة الشعوب ليس الفكرية فقط، بل والسلوكية وهذا مقصد الحديث الآن، كيف أثرت السينما في سلوك الشعوب وتجديد إعدادات ثقافتهم وفق ذلك؟
كانت الثقافة المقروءة قبل اكتشاف ثقافة الصورة تعتمد على خيال المرء، وقدرات البشر تتفاوت في التقاط قيمة الخيال وتحويله إلى ثقافة وسلوك، وحينا تتفاوت في فهم ماهيته والمقاصد منه.
ولذا سعت الفنون والآداب إلى استخدام الصور الفنية لربط الخيال بالمدركات الحسية للمرء وخلق فاعلية التصديق والواقعية لذلك الخيال، وظلت محدودية تأثير الثقافة المكتوبة ضيقة ونخبوية بسبب أغلبية الطبقات الشعبية التي تعد هي محرك التغيّر، حتى جاءت السينما لتتغير معها الشعوب قلبا وقالبا، فكرا وسلوكا.
استطاعت السينما أن تحول كل ما هو خيال إلى واقع يتوافق مع التطبيقات الحياتية للإنسان، وهذا التحول اكسب السينما كوسائط مرئية قيمة التصديق والصدق لدى الجمهور بما أنها حققت شرط التوافق الواقعي مع المتلقي.
فما نصدقه نحوله إلى عقيدة لنا، وما نشاهده يتحول إلى عقيدة لنا، وقد جمعت السينما بين هذين الأمرين.
ولذا أحدثت السينما ثورة فكرية وسلوكية عند جمهورها سواء في كيفية بناء البيوت أو تأثيثها، أنواع المأكولات وطرق اللبس، وهذا الشواهد المرئية التي توثقها السينما هي التي جعلت السينما تؤثر في صناعة ثقافة الشعوب فيما فشلت فيه الثقافة المكتوبة.
وبذلك فالسينما تعد من أهم أسباب ترقي الإنسان في القرن العشرين.
لكن أمر السينما لا يقتصر على القيمة الحضارية التي منحتها للإنسانية، بل هناك الوجه «القبيح» للسينما الذي تخبئه بين بريق الألوان والصور، الجانب الاستعماري الذي سعت إليه السينما بصمت لتحويل الإنسانية إلى ثقافة أحادية تترأس كل الثقافات بل تلغيها.
إن السينما العالمية تقوم على رؤى وإستراتيجيات استعمارية في قوالب ترفيهية منها.
«الحريات»؛ الحرية الدينية والحرية الجنسية والحرية الفكرية، والحرية السلوكية، هذه الحريات التي لا تتقيد إلا بفكر المرء ومعاييره لا بفكر المجتمع أو الأعراف، واستمرار السينما على العزف على هذه الرؤية أنتج ما نسميه «بصراع الأجيال» الجيل القديم الذي تربى على ثقافة الموروث، والجيل الذى تربى على الثقافة التي تقدمها السينما، حتى حوّلت بعض المجتمعات إلى مجتمعات بلا دين وحوّلت الأجيال إلى أجيال منحلة.
الأسرة، صنعت السينما مفهوما خاصا للأسرة من حيث علاقة الأبناء بالأبوين، ومسؤولية الأبوين نحو الأبناء، فالمساواة التي هي أساس الأسرة في السينما العالمية ألغت هرمية العلاقة بين الأبوين والأبناء، وهو ما ترتب عليه التخفيف من تقدير الأبناء للأبوين، وتخلي الأبوان عن ابنائهما في فترة من عمرهما، وهو ما انعكس سلبا على إهمال الأبناء للأبوين عند وصولهما للشيخوخة، لتقود الأسرة إلى التفكيك وتشجع على العقوق.
صناعة الخوف المتأمل للسينما العالمية منذ مطلع الألفية الجديدة سيلاحظ أن أهم أفلامها تعتمد على صناعة الخوف، تحت عنوان «النهايات» بأن الأرض مهددة بالدمار والبشرية مهددة بالانقراض بسبب العصر الجليدي أو الأوبئة أو المخلوقات الفضائية أو الذكاء الاصطناعي.
ولعل صناعة الخوف السينمائية قد تكون ستارا لمخططات الحكومة العميقة للعالم، حتى لو وقعت في الحقيقة فهي قدر للإنسانية وليس تخطيطا لدمارها.
كل الشعوب تمتلك أبطالها، لكن مع السينما يتبدد هذا المبدأ في بطل «واحد» بقدرات معينة وفق رؤية صناعة السينما، كما قلت سابقا تسعى السينما العالمية الأمريكية إلى تجريد الشعوب من تاريخها وتراثها، وعملية التجريد هذه تتم بطريقة غير مباشرة، فلا تريد للشعوب أبطالها التاريخيين الخاصين، بل تريد لهم خلق أبطال بمقاييس خاصة عالمية تنسب إلى شعب معين، لتخلق رؤية الشعب المنقذ للعالم من خلال هؤلاء الأبطال، أمثال «السوبر مان وكابتن أمريكا».
وفكرة الرجل الخارق أو الإنسان الأعلى هي نظرية فلسفية ظهرت عند فريدريك نيتشه في كتابه «هكذا تحدث زراشت» خيالا حولتها السينما إلى واقع وخلقت لها أبطالها من اسم ولحم ودم.
وهذا المفهوم الإنسانوي الأعلوي يتميز بصفات من أهمها أن قيمة الفرد أحق من قيمة المجموع، وأن الإنسان الذي يملك مصدر القوة هو الذي يصنع أخلاقه لا يتقيد بالأخلاق التاريخية التي هي مصدر الضعف والجهل والفشل، والإنسان الأعلى هو الذي يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، وأخيرا هو نموذج ضد الفناء وضد الموت وهي إعادة لفكرة الآلهة الأساطير.
ومن نافلة القول: إن فكرة الإنسان الأعلى ذكرها «ابن العربي» قبل «نيتشه» من خلال مصطلح «الإنسان الكامل وعلاقته بالقوة».