جريدة الجرائد

أفــق اليـمن

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن قراءة مستقبل اليمن اليوم بمعزل عن التحولات العميقة التي تشهدها مقاربة التعاطي مع أزمته، حيث ينتقل الملف اليمني تدريجيا من منطق إدارة الصراع إلى منطق صناعة الاستقرار، ومن التسكين المؤقتة إلى بناء مقومات الدولة القادرة على الصمود والتنمية. في هذا السياق، تبرز الجهود السعودية بوصفها نموذجاً سياسياً وتنموياً متكاملا، يعيد تعريف دور الدعم الإقليمي من الإغاثة المؤقتة إلى الشراكة طويلة الأمد في إعادة الإعمار وبناء المؤسسات.

إعلان البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن عن تدشين حزمة جديدة من المشاريع والمبادرات التنموية في مختلف المحافظات اليمنية، بقيمة تتجاوز 1,7 مليار ريال، لا يمثل مجرد أرقام أو مشاريع منفصلة، بل يعكس رؤية استراتيجية تنطلق من فهم عميق لاحتياجات اليمن، وأولوياته الواقعية، ومسارات تعافيه الممكنة. فالدعم الذي يشمل 28 مشروعا ومبادرة في قطاعات الصحة والطاقة والتعليم والنقل، ويغطي محافظات تمتد من عدن إلى حضرموت والمهرة وسقطرى ومأرب وتعز، يعكس مقاربة شمولية تستهدف الإنسان اليمني أولا، باعتباره جوهر الاستقرار وأساس أي عملية سياسية ناجحة.

سياسيا، يحمل هذا التوجه دلالة مهمة مفادها أن الأمن لا ينفصل عن التنمية، وأن تعزيز حضور الدولة اليمنية يبدأ من تمكين مؤسساتها الخدمية وقدرتها على تلبية احتياجات مواطنيها. من هنا، يأتي التنسيق الوثيق مع الحكومة اليمنية بوصفه ركيزة أساسية، تضمن أن تكون هذه المشاريع جزءاً من مسار وطني جامع، وليست جهوداً منفصلة عن السياق اليمني العام.

أما على المستوى التنموي، فإن المشاريع النوعية في محافظة عدن، من تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان، إلى إنشاء أول محطة لتحلية المياه، وتأهيل مطار عدن الدولي، تمثل استثماراً مباشراً في استعادة الدور الحيوي للعاصمة المؤقتة، بشكل اقتصادي وخدمي. وتكتسب منحة المشتقات النفطية بعداً استراتيجياً إضافياً، إذ تسهم في تشغيل محطات الكهرباء وضمان استمرارية الخدمات الحيوية، بما في ذلك المستشفيات والمطارات والموانئ، وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي والنشاط التجاري، وهو ما يشكل شرطا أساسيا لأي تعاف اقتصادي مستدام.

يتقدم المشهد اليمني في هذه المرحلة بوصفه مساحة لإعادة ترتيب الممكن السياسي والتنموي، حيث تتلاقى اعتبارات الدولة مع متطلبات الاستقرار في صيغة أكثر نضجاً واتزاناً. فالتعامل مع اليمن لم يعد محكوما بإدارة اللحظة أو احتواء آثارها، بل بات جزءاً من تصور أوسع يعيد الاعتبار للبنية المؤسسية، ويمنح التخطيط طويل الأمد موقعه في صدارة الأولويات.

في قراءة المشهد الراهن،يتشكل الدور السعودي كعامل ترجيح إقليمي عقلاني، يوازن بين متطلبات الأمن ومسارات التنمية، ويعيد تموضع اليمن داخل معادلة إقليمية أكثر استقرارا، قائمة على دعم منضبط يحترم السيادة، ويعزز استدامة الدولة وقدرتها على التفاعل الطبيعي مع محيطها العربي والإقليمي.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف