جريدة الجرائد

كبار السن.. وجودة حياة مستحقة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

تغريد إبراهيم الطاسان

أبدأ مقالي بسؤالين..

هل المهم كم من العمر نتمنى أن يعيش الإنسان؟

أم أن الأهم كيف يعيش الإنسان بجودة حياة مهما بلغ من عمر؟

لو بحثنا عن معنى للعمر من منظور يختلف عن لغة الأرقام لوجدنا أن العمر له مفهوم أعمق من تلك السنوات التي تُضاف إلى بطاقة الهوية، فهو بلسان الفلسفة والعمق يعني بصمات الزمن على أرواحنا، والتغيرات الفكرية والعاطفية والمعنوية المختلفة التي تصاحب كل مرحلة من مراحل حياتنا.. هو تراكم الخبرات، وذاكرة السنوات، وتلك الأماني والرغبات والمتطلبات والاحتياجات التي ترافق محطات العمر المختلفة.

وهذا يجعلنا نطرح سؤالاً آخر:

كيف هو حال الكبار في مجتمعنا؟

هذا السؤال الذي أصبح يُطرح كثيراً بعد تلك التحولات التي نعيشها، وبعد الوعي الذي ارتكزت عليه رؤية 2030 والتي اهتمت بجودة حياة يستحق أن يعيشها من وصل به قطار العمر إلى مرحلة التقدم بالسن، نجد أن الإجابة صعبة رغم كل ما يحاط به كبار السن من رعاية واهتمام من الجهات المعنية. إلا أنه في زمن يقدّس السرعة، والإنتاج، والإنجاز، وكل ما يُقاس بالأرقام. تقاس قيمة الإنسان بمدى قدرته على العطاء الملموس، وعلى الركض في سباق الحياة. وحين يهدأ إيقاعه، وحين تتباطأ خطواته، وحين يحتاج أكثر مما يعطي، يبدأ الانسحاب عنه بصمت من المشهد الاجتماعي نتيجة ترجله عن صهوة جواد العطاء العملي

هو يُحاط بالرعاية، نعم، لكن غالبًا بلا إشراك. يُقدَّم له الاهتمام، لكن بلا استشارة. يُعامل باحترام، لكن لا يُنظر إليه باعتباره ضرورة. كأن المجتمع يقول له ضمنًا: شكرًا على ما قدمت ولكن الزمن الآن ليس زمانك.

وهنا نعود للأسئلة التي تصبح أكثر عمقاً وتعقيداً: هل الطريقة التي نعامل بها كبير السن بدافع التقدير له والخوف عليه هي الراحة والرفاهية الاجتماعية التي يحتاجها.. أم هي عزلة اجتماعية مغلفة باللطف نسحبه إليها؟

كثير من الكبار لا يتألمون من التعب الجسدي بقدر ما يتألمون من شعور خفي بأنهم أصبحوا خارج المعادلة. وأن دورهم انتهى، وأن وجودهم لم يعد يُحدث فرقًا حقيقيًا. هذا الشعور أخطر من أي مرض، لأنه يصيب النفس والروح أكثر من الجسد.

وهنا المفارقة: نحن مجتمع يجلّ الكبار اجتماعياً وعاطفياً، لكنه يتجاوزهم في الواقع.

نحتفي بهم في المناسبات، نذكر فضلهم في الخطب، لكننا نادراً ما نسألهم: ما رأيكم؟ ماذا يسعدكم؟

وما تزال الأسئلة تتكاثر..

كيف نشعر الكبار بقيمتهم وأهميتهم؟

كبير السن ذو الحظ الحسن يكون محاطًا بأسرة واعية، وبيئة لا تختصر الإنسان في قدرته الجسدية. أسرة وبيئة لا يشعرونه أنه عبءٌ وأن وجوده يُحترم، لكن احتياجاته ثقيلة.. علينا أن نفهم ألم كبير السن يصبح مضاعفاً عندما يشعر أن العبء الحقيقي ليس في رعايته، بل في نظرتنا إليه. حين يشعر أن طلبه يحرج، وأن حاجته تُربك، وأن وجوده يحتاج تبريرًا، هنا يبدأ في الانطواء على نفسه، يقلل طلباته، يؤجل شكواهن يبتسم أكثر مما ينبغي ليستر سوءة غربة داخلية. تحوّله شيئًا فشيئًا إلى شخص «خفيف الحضور» كي لا يُتعب أحدًا. وهنا نطفئ وهجه ونجرح مشاعره ونكون سبباً دون أن ندرك في خسرانه لصحته؛ لأن الراحة التي نقدّمها للكبار كثيرًا ما تكون راحة بلا حياة:

كرسي، غرفة، تلفاز، أدوية، وروتين صامت. لكن أين الحوار؟ أين الشعور بالمشاركة؟ أين الإحساس بأن رأيه لا يزال مهمًا؟

علينا أن ندرك أن الإنسان لا يشيخ حين يضعف جسده، بل حين يشعر أن لا أحد ينتظر منه شيئًا.

إحدى سمات المجتمعات الواعية هي نظرتهم لكبار السن، وفي تقديرهم لهم على اعتبارهم ذاكرة تمشي على قدمين، وخبرة يجب استثمارها، لا مجرد مرحلة انتهت. يُسأل، يُستشار، يُشرك في القرارات، ويُعامل باعتباره مرجعية إنسانية قبل أن يكون حالة تحتاج رعاية.

ولكن في مجتمعاتنا الشرقية، غالبًا ما نتعامل مع الشيخوخة بوصفها خروجًا تدريجيًا من الحياة العامة. نخاف من الكِبر لأننا نراه نهاية، لا حكمة. والسؤال الأعمق: كيف سنشيخ نحن؟ كيف سيكون شكلنا حين نصل إلى العمر نفسه؟ هل سنجد مجتمعًا يرانا قيمة؟ أم سنجد ترتيبًا لطيفًا لإخراجنا من الصورة؟

الطريقة التي نعامل بها كبارنا اليوم.. هي البروفة الحقيقية لمستقبلنا.

هنا.. في هذا الوطن المعطاء.. رعاية كبار السن وإبقائهم قيد حياة ذات وهج يليق بهم، نراها في اهتمام الدولة بهذه الفئة الغالية.. ولكن يبقى دورنا نحن كثقافة مجتمعية تجاه كبار السن وطريقه تعاملنا معهم..

علينا أن ندرك أن حاجاتهم النفسية والمعنوية تتخطى الحاجة إلى دور رعاية جيدة، وإلى خدمات طبية متقدمة، هم يحتاجون إلى ثقافة ووعي يرى في كبير السن إنسانًا كاملًا، لا مشروع نهاية. أن يشعره أن وجوده إضافة، لا عبء. أن يحسسه أن راحته داخل أسرته وبيئته المحيطة ليست عزلة، بل مساحة جديدة للحياة بطريقة أخرى.

ربما آن الأوان أن نسأل بصدق: هل نكرم كبارنا بتعاملنا اليومي معهم.. أم ندير غيابهم بلطف؟ لأن الفرق بين الأمرين.. فرق أخلاقي، قبل أن يكون اجتماعيًا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف