أصلح حياتك في يوم واحد!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
في زمنٍ يزدحم برسائل التحفيز السريعة، والشعارات الخاطفة لتغيير الحياة، جاء مقال الكاتب الأميركي "دان كو": كيف تصلح حياتك في يوم واحد؟ صادماً، كونه لم يقدّم وصفة جاهزة، أو يعد بنتيجة فورية، بل انطلق من فكرة غير مريحة: الفشل المتكرر في التغيير ليس استثناء؛ بل القاعدة!
هذه البداية الصادمة كانت كافية لتلفت الانتباه في منصة "إكس"، فالجمهور لم يعد يبحث عمّن يطمئنه أنه قادر على كل شيء، بل عمن يشرح لهم لماذا لم ينجح رغم المحاولات، وهنا تكمن ميزة المقال، وهي تعريف المشكلة قبل تقديم أي حل.
من السطور الأولى يعترف "دان"، أنه تخلى عن أهداف أكثر بعشر مرات مما حققه! هذا الصدق، خلق جسراً صادقاً مع القارئ، إذ لم يعد الكاتب في موقع الخبير المتعالي، بل في موقع من خاض التجربة نفسها، وخرج منها بأسئلة أعمق من الإجابات، وهو سبب تداول المقال في منصة "إكس"، حيث يتفاعل الجمهور أكثر مع المحتوى الصادق غير المنمّق.
والحقيقة أن الفكرة المركزية في المقال يمكن تلخيصها في جملة واحدة: التغيير الحقيقي لا يبدأ من السلوك، بل من الهوية نفسها! ينتقد "كو" الاعتماد على الانضباط المؤقت والحماس الموسمي، ويرى أن معظم الأهداف تُبنى على أرضية نفسية غير صالحة، إذ نحن نحاول تغيير ما نفعله، دون أن نغيّر من نكون نحن! ولذلك حين يزول الحماس نعود تلقائيًا إلى نمط حياتنا السابق، لأنه ببساطة يعكس هويتنا، ويضرب مثال لاعب كمال الأجسام الذي لا يجاهد ليأكل صحيًا، بل حين يأكل بنحو غير صحي!
ثم ينتقل المقال إلى مستوى أعمق: كل سلوك -حتى السلوكيات التي نكرهها- يخدم غايةً ما، فالتسويف ليس كسلاً؛ بل حماية من الخوف، والبقاء في وظيفة ميتة ليس عجزًا؛ بل بحث عن الأمان الاجتماعي.
وفي القسم الثالث، يتحدث عن الخوف من التغيير، ليس بوصفه خوفًا من الفشل، بل خوف من تفكك الهوية، فنحن لا نخاف ألا ننجح، بل نخاف أن ننجح ونصبح شخصًا لا نعرفه، أو نخسر القبول الاجتماعي المرتبط بنسختنا الحالية، ثم يربط الكاتب هذا الخوف بتكوين الهوية منذ الطفولة، وكيف نتبنى أفكارًا ومعتقدات ليس صحيحة بالضرورة، بل لأنها كانت شرطًا للبقاء والقبول، ومع الوقت تتحول إلى نظام دفاعي نقاتل من أجله، حتى لو أعاق نمونا!
أما الذكاء فليس حاصل جمع الشهادات أو سرعة البديهة، بل القدرة على التعلّم، والتكيّف، وتصحيح المسار -هو ما اتفق معه بشدة-، فالذكاء أن تفهم أن الحياة نظام متغير، وأن النجاح عملية مستمرة من التجربة والخطأ.
قد يكون هناك عدة أسباب لانتشار المقال، وتجاوز عدد قرائه الخمسين مليوناً، ومنها: قابلية الاقتباس، حيث يحتوي المقال على جمل قصيرة وعميقة تصلح للتغريد، التوقيت: نُشر في لحظة مراجعة مع بداية العام الميلادي، الطرح المضاد للسائد: مهاجمة قرارات رأس السنة المثالية، لفت الانتباه في بحر من المحتوى المتشابه، الطول المناسب: مقال طويل لمن يريد أن يتوقف ويفكر.
غير أني أعتقد أن انتشار المقال لم يكن لأنه وعد بتغيير الحياة خلال يوم واحد، بل لأنه أكد ضرورة تغيير أسئلة فهم النفس، قبل أسئلة تغيير الحياة، وهذا النوع من الأسئلة حينما يطرح بصدق وفي الوقت المناسب، حتماً لن يمر مرور الكرام، لا على القارئ، ولا على الخوارزميات أيضاً.