جريدة الجرائد

جدار «الحماية»... صار سجناً

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

محمد ناصر العطوان

عزيزي القارئ، قصتنا اليوم قصة رجل كان يخاف من العالم... خاف من الناس، ومن الغدر، ومن الحسد، ومن الكلام، ومن العيون التي تراقب في الشارع، ومن الأصوات التي تعلو دون سبب، ومن الأسئلة التي لا يعرف كيف يجيب عنها.

فقرر أن يفعل ما تفعله المجتمعات كلها حين تخاف... أن يبني جداراً.

اشترى الطوب، جمع الأسمنت، جلب عاملاً يعرفه بالكاد، وبدأ يبني الجدار حول بيته، ثم حول حديقته، ثم حول عقله، ثم حول قلبه... ثم حول إنسانيته... دون أن ينتبه!

كان يقول وهو يضع الطابوقة فوق الطابوقة:

«الحياة ليست آمنة، والناس ليسوا ملائكة، والحذر واجب، والجدار يحلّ كل شيء».

في الأيام الأولى... شعر بالراحة، و لم يعد يرى الناس، وهذا -في نظره- نوع من السلام.

لم يعد يسمع الضحكات التي تزعجه، ولا النصائح التي تضايقه، ولا اختلافات الناس التي تربكه، ولا العادات التي اعتقد أنها تستهدفه... وأصبح يظن أن صمته ملكٌ له وحده.

لكن شيئاً غريباً حدث بعد أسبوعين أو بعد شهرين أو بعد سنتين لم أعد أذكر، صار البيت خانقاً، والهواء ثقيلاً، والصمت مخيفاً.

لم يعد يعرف إن كان الوقت صباحاً أو مساء، حتى طيور الحيّ التي كانت تزوره على الشباك... توقفت عن المجيء.

الجدار -الذي بناه للحماية- صار هو الشيء الوحيد الذي يراه... وهو الشيء الوحيد الذي لا يراه أحد.

ذات صباح، جلس الرجل خلف الجدار يفكر... اكتشف أن الجدران ليست ضدّ الآخرين، بل ضدّه هو.

هي تمنع الخطر.

نعم...

لكنها تمنع أيضاً النسيم، والضوء، والصدفة الصغيرة التي قد تغيّر يومه.

الجدار حماه من الأذى... لكنه حماه أيضاً من الفرح، حماه من الحسد وحماه من الحب، حماه من الناس، وحماه من الإنسان الموجود فيه.

واكتشف فجأة أن الخوف قد خدعه، فهو لم يبن جداراً لحمايته، بل بناه ليخفي داخله جرحه القديم، وخيبة علاقاته، وكسل محاولته، وضعفه في مواجهة البشر.

الجدار كان علاجاً سهلاً... لكنه لم يكن شفاء.

بعد أيام، حاول أن يهدم جزءاً صغيراً من الجدار، ليس كله... فقط نافذة صغيرة يرى منها العالم، لكنه وجد أن يديه ترتجفان، فالجدار الذي بناه لحمايته... صار يخيفه.

صار يشعر بالتهديد إن فكر في فتح نافذة.

الأمان حين يتحول إلى إدمان يصبح أشد خطراً من الخطر نفسه.

المجتمعات أيضاً تفعل ذلك... تبني جدراناً وأسواراً من الخوف، الطائفة، القبيلة، الأنا العالية، جدار القيود.

كل مجتمع يبني جداراً يقول إنه يحمينا... ثم يكتشف بعد سنوات أنه حبس نفسه خلفه.

لا يرى العالم، ولا يرى المستقبل، ولا يرى المختلف، ولا يرى الخطأ لكي يصححه، ولا يرى الحل لكي يلحق به.

الجدار -في النهاية- لا يحمي أحداً من أحد... إنه فقط يمنع الناس من أن يكونوا معاً.

عزيزي القارئ... آخر ما يمكن قوله هو أن الجدار الذي يحمي أي مجتمع ... قد يحميه من العالم، لكنّه لا يحميهم من وحدتهم.

وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يراد به وجه الله... يضمحل.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف