وهم «كبسة الزر».. حين تتحول السياسة إلى خرافة مريحة!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
الجميع يعرف ماذا يعني (غسل الأموال)، لكنْ قليلون من يعرفون ماذا يعني (غسل العقول). ظاهرة تنتشر في الخطاب العربي خلال السنوات الأخيرة، ونمط من التفكير يمكن تسميته -من دون مبالغة- بـ«ثقافة كبسة الزر».
خطورة هذا التفكير لا تكمن في كونه مبالغاً فيه إلى حد الخرافة، بل في كونه تفكيراً تخديرياً بامتياز؛ فهو يقدّم للجمهور رواية مريحة، تبعث الطمأنينة الزائفة، وتغنيه عن طرح الأسئلة الصعبة: كيف تُدار الحروب؟ ما موازين القوى الحقيقية؟ ما كلفة الصراع؟ وما الذي تريده القوى الكبرى فعلاً؟ حين تُقدَّم السياسة على أنها مسألة زر يُضغط، تُلغى الحاجة إلى العقل، وإلى فهم الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات، وإلى إدراك أن القوة العسكرية ليست استعراضاً لفظياً، بل منظومة معقدة، تتداخل فيها الصناعة، والاستخبارات، واللوجستيات، والشرعية الدولية.
ثقافة «كبسة الزر» ليست جديدة تماماً، لكنها وجدت في العصر الرقمي بيئة مثالية للانتشار. وسائل التواصل الاجتماعي، بطبيعتها السريعة والانفعالية، تكافئ الخطاب المبالغ فيه، والشعارات الصاخبة، واليقين المطلق.
الأمر لا يقتصر على المبالغة في قوة «المقاومة» أو إيران، بل يمتد إلى تبسيط صورة الخصم. إسرائيل، في خطاب «كبسة الزر»، تُصوَّر كأنها كيان هشّ يمكن إسقاطه بضربة واحدة، متناسين أنها دولة منخرطة منذ عقود في منظومة عسكرية وأمنية متقدمة، ومدعومة بتحالفات دولية عميقة، وتملك خبرة طويلة في إدارة الصراع.
الأخطر من ذلك أن هذا التفكير يُعطِّل بناء أي استراتيجية عقلانية.
كما أن هذا الخطاب يخدم، من حيث لا يدري مروّجوه، القوى التي تدير الصراعات ببرود وحساب.
التفكير السياسي الناضج لا يعني التخلي عن المبادئ، ولا قبول الظلم، ولا تبرير العدوان. لكنه يعني أولاً فهم العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون.
إن الخروج من أسر «كبسة الزر» شرط أولي لأي نهضة فكرية أو سياسية. فالأمم لا تُهزم فقط بالسلاح، بل تُهزم حين تستبدل الخرافة بالعقل، والتمني بالتحليل، والأسطورة بالسياسة.