الحوار المنتظر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
يأتي الحوار الجنوبي المنتظر في لحظة سياسية تتداخل فيها طبقات التاريخ مع أسئلة الحاضر، وتفرض فيها التجربة الطويلة نفسها بوصفها مرجعية ثقيلة لا يمكن تجاوزها عند التفكير في المستقبل، حيث تشكلت القضية الجنوبية عبر مسار ممتد منذ 1967، وتكرست ضمن هذا المسار محاولات مصالحة لم تنجح في معالجة جذور الإشكال بقدر ما سعت إلى احتواء نتائجه، ما أبقى الجنوب في قلب المعادلة السياسية بكل تعقيداتها. ومنذ تلك المحطات المفصلية، ظل الجنوب حاضراً كقضية سياسية عادلة ذات أبعاد وطنية وإقليمية، وهو ما انعكس في مقاربة المملكة العربية السعودية التي تعاملت مع الملف الجنوبي باعتباره مكوناً أساسياً ضمن أي تصور للحل، وحرصت على إبقاء هذه القضية ضمن مسارات النقاش السياسي، إدراكاً بأن تجاوزها يعني إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة أكثر تعقيداً.
وقد شكل مؤتمر الحوار الوطني محطة فارقة في هذا المسار، حين فتحت نافذة لإعادة النظر في شكل الدولة ومستقبلها، ضمن مناخ سياسي ساهمت المملكة في تهيئته، ووفرت له غطاء إقليمياً أتاح لليمنيين فرصة نادرة لمقاربة قضاياهم الكبرى على طاولة واحدة، وصولاً إلى مخرجات كان يفترض أن تؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الشراكة وإعادة توزيع السلطة، وعلى أساس تلك المخرجات، أُعلن الشروع في بناء الدولة الاتحادية من حضرموت، بوصفها صيغة سياسية تستجيب لمطالب متراكمة، وتفتح أفقاً مختلفاً لإدارة الدولة، غير أن هذا المسار تعرض لانقطاع حاد مع الانقلاب الحوثي، لتدخل البلاد في دوامة صراع مفتوح امتدت تداعياته لعقد كامل، تراجعت خلاله القضايا الوطنية تحت ضغط الحرب، وتداخلت تطلعات القوى السياسية مع حسابات النفوذ والسيطرة.
وخلال هذه السنوات، ازدادت الحاجة إلى مراجعة هادئة تعيد ترتيب الأولويات، وتفصل بين مشروع الدولة ومنطق الغلبة، وهو ما يجعل الحوار الجنوبي اليوم استحقاقاً سياسياً ضرورياً يعكس وعياً متقدماً بطبيعة المرحلة، وحاجة ملحة إلى صياغة رؤية مشتركة تتعامل مع الماضي بوصفه درساً، ومع الحاضر بوصفه تحدياً، ومع المستقبل بوصفه مسؤولية جماعية.
وفي هذا السياق، يندرج اللقاء التشاوري من أجل الحوار الذي عقد أمس كخطوة ضمن مسار يسعى إلى بلورة هذا الوعي، وفتح مساحة نقاش مسؤولة تتيح مراجعة التجربة الجنوبية بكل ما حملته من إخفاقات وتضحيات، وصولاً إلى تحديد اتجاهات أكثر وضوحاً تقوم على الشراكة، واستيعاب التنوع، وبناء مقاربة سياسية قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجتها ضمن أفق يستند إلى الاستقرار والتنمية بوصفهما عنوان المرحلة المقبلة.