جريدة الجرائد

الإبحار خارج ميناء الدولار!!

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

لم تسقط الأمبراطوريات عادة بضربة واحدة، ولم تتآكل فقط من أطرافها؛ كثيرا ما بدأ أفولها من لحظة أقل صخباً: حينما يفقد الآخرون الثقة بعدالة قواعدها. وما يجري اليوم في غرف المقاصة ومنصات المدفوعات واتفاقات العملات المحلية ليس مجرد تحول تقني بارد، بل صمت ثقيل في تاريخ القوة، يقول إن العالم بدأ يتدرب على العيش من دون المرور الإجباري ببوابة واشنطن. منذ مؤتمر بريتون وودز عام 1944 تشكل النظام المالي العالمي حول الدولار بوصفه عملة ومرساة ورمزاً لشرعية القوة الأميركية. ثم جاء نظام "سويفت" عام 1973 ليحول الاتصال المالي العالمي إلى شبكة واحدة يمكن فتح أبوابها أو إغلاقها من مركز قادر على العقاب بقدر ما هو قادر على الإدماج. على مدى نحو ثمانين عاماً بدا هذا الترتيب طبيعياً، بل قدرياً؛ كأن البحر لا يحتوي إلا على ميناء واحد. الجديد اليوم ليس رغبة فجائية في التمرد، بل إدراك بارد أن العملة حينما تتحول من أداة تبادل إلى أداة عقاب تفقد حيادها، ومع فقدان الحياد يبدأ السؤال الاستراتيجي: كيف نحمي أنفسنا من نظام قد يعاقبنا غداً؟ من هنا وُلدت المحاولة العالمية غير المسبوقة لتقليل الاعتماد على الدولرة، محاولة متدرجة ومتداخلة، لكنها حقيقية. هذه المحاولة ليست ثورة تقلب الطاولة دفعة واحدة؛ إنها أشبه بحركة صفائح تكتونية بطيئة تصنع زلازلها على المدى الطويل. الدولار ما زال يهيمن على المدفوعات العالمية ويشكل عمود أسواق الطاقة والاحتياطيات، لكن ما تغير هو أن الخروج الجزئي من ظلّه لم يعد مستحيلاً تقنياً. منذ إطلاق الصين نظام CIPS عام 2015 لتسوية المدفوعات باليوان، مروراً بتجارب "mBridge" الرقمية بين بنوك مركزية عدة  في 2022–2023، ووصولاً إلى توسع تسويات العملات المحلية داخل آسيا والبريكس، باتت هناك مسارات بديلة ليست كاملة، لكنها لم تعد خيالية. في العمق، ما يدفع هذا التحول ليس الاقتصاد وحده، بل السياسة والسلوك. الولايات المتحدة التي بنت شرعيتها العالمية على مزيج من القوتين الصلبة والناعمة، مالت أكثر إلى منطق الإكراه: عقوبات مالية واسعة، واستبعاد دول من "سويفت"، واستخدام النظام المالي سلاحاً جيوسياسياً. وحينما يستبدل بالدبلوماسية الحصار، لا يعود السؤال “هل نثق بأميركا؟” بل "كيف نتجنب الوقوع تحت رحمتها؟". من هنا تمكن قراءة ما يجري، لا كحملة لإسقاط النظام الأميركي، بل كعملية فك تطويق مالي فرضته واشنطن باسم الأمن القومي حتى صار هذا الأمن عبئاً على أمن الآخرين. روسيا طورت نظامها المحلي SPFS، والصين وسعت CIPS، والهند منذ 2022 وسعت استخدام الروبية في التجارة الثنائية، فيما وقعت الإمارات مع نيودلهي اتفاقات لتسوية جزء من التجارة بالدرهم والروبية. ومع توسع البريكس في تموز/ يوليو 2023 اكتسب الحديث عن آليات دفع بديلة وزناً سياسياً أكبر من أي وقت مضى. هذه التحركات دفاعية في جوهرها: الدول لا تريد إلغاء الدولار، بل تريد هامش مناورة وتنويعاً للأخطار وقدرة على التجارة من دون الارتهان لقرار واحد. من نيودلهي إلى أبوظبي، ومن برازيليا إلى بكين، تتشكل خيوط شبكة مالية موازية متفرعة غير مكتملة، لكنها آخذة في الاتساع. في قلب المشهد يقف صراع بين نموذجين: نموذج أحادي القطب بعملة واحدة مهيمنة ونظام واحد يقرر من يدخل ومن يُقصى؛ ونموذج متعدد الأقطاب بعملات ومسارات دفع متنوعة وسيادة مالية أوسع — تعددية منظمة لا فوضى بلا مركز. ومع ذلك، لا ينبغي السقوط في وهم القطيعة الفورية. الدولار لن يختفي غداً، ولن تُهجر "سويفت" بين ليلة وضحاها. لكن التاريخ لا يكتب دائماً بالانقلابات الكبرى؛ أحياناً يكتب بالتحولات البطيئة التي لا يلاحظها أحد حتى تصبح واقعاً. لقد تعلم العالم ثمانين عاماً أن يبحر خلف منارة واحدة؛ واليوم، للمرة الأولى منذ بريتون وودز، بدأ يتدرب على الإبحار بلا ميناء وحيد.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف