جريدة الجرائد

كيف حوّل السلطة إلى ثروة؟

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

نتحدث عن ترامب.. الرجل الذي بات يُشكَّل مادة دسمة للكُتّاب والصحفيين وصُنّاع المحتوى. يقول علماء النفس إن الرجل المُثير للجدل نشأ في بيئة عنيفة ما جعله يميل إلى السلوك التسلطي. ووصِف بأنه مُشَوش داخلياً يحاول دائماً إثبات أنه الأقوى في الغرفة. ويقال إنه لا يملك الكثير من الإلمام بالعلوم الاستراتيجية. يتعامل مع الأزمات بناءً على انفعالات ومكاسب.. غالباً شخصية.
لنتوقف هنا ونسأل عن تقارير ثروة ترامب؟ &"فوربس&" أكدتها ومعها عدة شبكات منها CNBC أنها زادت في عام 2025 بنسبة 3.4 مليار دولار لتبلغ ما يقارب 7.3 مليار بقفزات غير مسبوقة. هذا عدا عائلته التي زادت ثرواتها أحياناً ثلاثة أضعاف في نفس العام. السؤال الذي شغل الناس: هل هذه الزيادات جاءت من خلال رشىً أو فساد؟
الحقيقة أن الرجل الذي أحدثت ثروته قفزة غير مَسبوقة في تاريخ رؤساء أمريكا لم يأخذها بتلك الطريقة القديمة (الرشوة) بل كانت كسباً مُبتكراً لم يسبقه إليه رئيس من قبل. المُثير أن هذه الثروة حدثت في اقتصاد أمريكي يَشهد تباطؤاً مُتزايداً خاصةً على الطبقة الوسطى. للمرة الأولى في التاريخ يدخل رئيس إلى الحكم وهو يمتلك مِحفظة أصول شديدة الحساسية للسياسة: شركات إعلام سياسي، مِنصات رقمية، استثمارات في العملات المُشفرة واسم تجاري تتحرك قيمته مع كل تصريح أو قرار. الرؤساء السابقون كانوا يملكون أسهماً أو عقارات، لكنهم إما وضعوها في صناديق عمياء أو كانت أصولاً لا تتأثر مباشرة بقرارات البيت الأبيض. ترامب كسر هذا النموذج. هو ليس فقط صانع سياسة، بل مالك لأصول تتحرّك لأنه هو يصنع السياسة.
في الاقتصاد الحديث، أخطر معلومة ليست أرباح الشركات، بل ما ستفعله الحكومة غداً. هل ستفرض عقوبات؟ هل سترفعها؟ هل سيتغير موقف واشنطن من دولة نفطية؟ هل ستُفتح أبواب أمام الكريبتو؟ هذه القرارات، التي تُعرف داخل البيت الأبيض قبل إعلانها بأيام وأسابيع، تحرّك أسواق المال في لحظة. أسعار النفط، أسهم الطاقة، العملات، الكريبتو، أسهم الدفاع والإعلام السياسي.. كلها ترتفع وتهبط بناءً على هذه الإشارات.
عندما يكون الرئيس مالكاً لأصول داخل هذه الأسواق، تتحول المعلومة السيادية إلى رافعة ثروة شخصية. لا يحتاج إلى أن يشتري أو يبيع يكفي أن يُقرر أو يُلمِح. إذا أعلن تخفيف عقوبات عن دولة نفطية، ترتفع أسعار النفط، فتتحرّك أسهم وشركات ومُضَاربات. إذا أعلن سياسة دعم للكريبتو، تقفز الأصول الرقمية. وإذا أعلن حرباً أو أنهى واحدة تتغير التقييمات. وعندما نعلم أن ثروته مُتَجذرة في الإعلام، والكريبتو، وفي علامة تجارية مُرتبطة باسمه.. تتحرّك مع كل موجه، نفهم معنى أن تملك المعلومة قبل إعلانها، وأكثر أن تتحكم في تحريكها بالاتجاه الذي يناسب مُحرِكها في سابقة لم تشهدها أمريكا من قبل.
الدستور الأمريكي، وقوانين تضارب المصالح، صُمم لرؤساء لا يملكون مثل هذه المحافظ. لم تُصمم لرئيس يُمِكن أن تزيد ثروته مليارات لأن تصريحاً منه حرّك عملة رقمية أو سهماً إعلامياً أو قطاع طاقة. لهذا لا يبدو ما يجري فضيحة تقليدية. لا حقائب أموال، ولا عقود حكومية فاضحة بل شيء أخطر هو تحويل الدولة نفسها إلى أداة تقييم مالي. القرار السياسي يُصبح مُحرِكاً للسعر، والسعر يُضَخِم ثروة من بيده القرار: &"الرجل الجالس في القمة&".
في هذا النموذج لا يقاس نجاح الرئاسة بعدد الوظائف أو المصانع، بل بارتفاع قيمة الأصول المرتبطة باسم الرئيس. أمريكا لا تصبح أغنى، بل ترامب هو من يصبح أغنى داخل أمريكا. هذا هو التحوّل التاريخي الخطر: من جمهورية تفصل بين السلطة والمال إلى نظام تصبِح فيه السلطة نفسها جزءاً من محفظة استثمارية جديدة، تَحوّل لم تمرّ به أمريكا من قبل، ليس لأن الفساد لم يكن موجوداً، بل لأن هذا النوع من الفساد (فساد أسواق المال) جديد. هو فساد بلا سرقة، بلا عقود، بلا رشىً تقليدية. فقط قرارات.. تُسَرّب، ثروات تتضخم في القمة بينما يبقى الاقتصاد الحقيقي مكانه. وهنا تكمن المفارقة المُرعبة: رئيس أقوى دولة في العالم يجلس في مقعد السلطة ويمسك قرار الحكم فيها وقرار المُضَاربة في أسواقها.
هذا الوضع إن لم يتغير يجعل السلطة طريقاً لثروة الحاكم، لا طريقاً لثروة دولة انتخب شعبها هذا الحاكم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف