جريدة الجرائد

مؤشرات تجعلنا أمام تاريخ جديد

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسن اليمني

يحدد مدى نجاح أي سياسة في مدى فاعليتها المؤثِّرة في الدائرة الإستراتيجية التي تحمي أمنها الوطني والقومي، فالخطر المهدد لأمن واستقرار أي دولة ينقسم إلى داخلي وخارجي وكلاهما بنفس الأثر في التأثير على البناء المستقبلي وسلامة مساره وجودته.

إن من يتابع ويراقب المسار الجيوسياسي في المنطقة سيرى برؤية نقية صافية تغيراً نشطاً وفعَّالاً بدأ منذ قرابة عشرين عاماً في منحنى صاعد رغم تزاحم الظروف والأحداث المفاجئة والتي كانت قادرة على منع وتعطيل أو حتى عرقلة هذا الصعود الفاعل في لملمة عناصر القوة وأدوات البناء الإستراتيجي النشط، فمثلاً ظهر في تركيا هذا الاتجاه بوضوح وكان متوازناً بين الداخل والخارج إلى درجة أن محاولة الانقلاب عام 2016م أُجهضت خلال أربع وعشرين ساعة، رغم قوتها ومتانة الاستعداد الانقلابي لتحقيق النجاح، إضافة إلى صعود توطين التصنيع العسكري الوطني بشكل ملحوظ وصل اليوم إلى ما يزيد عن 80% والأمر كذلك في إيران وإن كان بشكل أقل اتزاناً عنه في تركيا من حيث الموازنة بين الأمن الداخلي والخارجي سواء في الاقتصاد أو الصبغة الأيدولوجية، وكذلك الحال في الجزائر بالتعاون العسكري مع روسيا وبطبيعة الحال في الباكستان النووية.

الإشارات واضحة في ذلك، فقد تحررت ناقوره كراباغ بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً على الاحتلال الأرمني وكان التحرير بدعم ظاهر وواضح من تركيا لأذربيجان وكذلك لجم صربيا عن كوسوفو البلقانية، وفي إيران ارتقى توطين الصناعة العسكرية إلى الدرون والصواريخ البالستية والتصنيع النووي أما في الباكستان فقد أظهرت المواجهة مع الهند نجاحاً واضحاً لجهود توطين الصناعات العسكرية والتعاون العسكري مع تركيا بشكل واضح لأهمية التعاون بين الدول الإسلامية، وفي الجزائر وإن كان الصوت منخفضاً إعلامياً بدرجة ما إلا أن التعاون مع روسيا ملاحظ لدول أوروبا وحتى أمريكا والكيان المحتل، والأجدى بالملاحظة حال التغير في سوريا التي أسقطت الحكم العبثي بثورة وطنية ذات وجه إسلامي مشرق تناغم وانسجم مع العالم كله بحكمة الرؤية الواقعية والمنطقية للتوازنات الدولية وطبيعة تقاطع المصالح، وكل هذا وذاك يؤشر إلى حقيقة التغيُّر في الحال الإستراتيجي ومؤشر إلى صعود الفاعلية في التفاعل مع الأحداث المتتالية.

في المملكة العربية السعودية نشهد تفعيل وتنشيط في مسار الاتجاه التصاعدي ويسرعه سواء في الداخل التنموي وتخطيط مسار تحقيق الأهداف أو في المسار الخارجي للأمن الوطني والقومي، حتى أصبحت السياسة السعودية تلك الهادئة والمتحفظة خافتة الصوت إلى فاعل ظاهر ثابت وحاسم في حراك الأحداث والسياسة في المنطقة العربية والإسلامية والعالم كله شرق وغرب، فلم يعد النفط هو الوجه الفاعل والظاهر في المسرح الدولي، بل تم تجاوزه إلى الاقتصاد المعرفي والإنتاجي في البناء التنموي والفعل المباشر الظاهر والواضح في الحراك السياسي والإستراتيجي على مستوى المسرح الدولي بعلاقات متوازية بين الشرق والغرب وتقديم الأثر الإيجابي للداخل في البعد الإستراتيجي مثل تنويع الاقتصاد وتوطين التصنيع العسكري والذي وصل إلى نسبة 25% ويسير بخطى سريعة ليصل إلى نسبة 50% في 2030م بحول الله وقوته، كما أن أرقام الموازنة العامة تجاوزت التريليون وتهدف إلى أربعة تريليونات وأكثر عام 2030م أو بالكثير عام 2035م، هذا النشاط الفاعل في الداخل والخارج مبني على قاعدة إستراتيجية مبنية ومرسومة على رؤية مستقبلية واضحة الغايات والأهداف محددة التواريخ ككل متكامل متوازن بين الداخل والخارج في الأمن الوطني والقومي الإستراتيجي.

صحيح أن المملكة العربية السعودية متقدمة بشكل واضح على باقي الدول العربية لكنها لم تكن أيضاً متأخرة عن باقي دول المنطقة المسماة (الشرق أو الغرب الأوسط) والذي يمتد من الباكستان إلى أوروبا الشرقية شرقاً وغرباً ومن روسيا إلى جنوب إفريقيا وشمال أستراليا شمالاً وجنوباً، وهي منطقة تتوسط العالم، بل هي مركز ونواة النشاط في الكرة الأرضية، وإذا كانت الباكستان ليست هي الحد الشرقي للبعد الإستراتيجي الإسلامي للمملكة العربية السعودية فإن الوفاق الإستراتيجي بين المملكة والباكستان يمتد ليشمل الدائرة الإستراتيجية الإسلامية لباكستان بما يشمل الدول الإسلامية في جنوب ووسط آسيا ومع تركيا فإن الوفاق الإستراتيجي يتسع ليشمل كل دول التركمان في قلب آسيا وكذلك دول البلقان وبتدعيم العلاقات مع إرتيريا يمتد البعد الإستراتيجي ليتسع تجاه العمق الإفريقي وبما يشمل سواحل البحر الأحمر والقرن الإفريقي ودول إفريقيا الإسلامية، وحين نضيف إلى ذلك دائرة القوى العالمية نجد علاقات متينة ومتوازية مع الصين وروسيا وأمريكيا مبنية وموثقة بمصالح حيوية ذات أهمية مؤثّرة في إدارة العالم وحراكه السياسي والاقتصادي حاضر ومستقبل.

إذن لعلنا من خلال هذا التفصيل السريع في السطور السابقة يمكننا القول إن العالم العربي والإسلامي يسير نحو المستقبل بخطوات متينة وقوية للخروج من دائرة العالم الثالث إلى مصاف الدول المتقدمة الأولى بكل ثقة، ولا شك أن هذا سيكون على حساب دول تأخذ المسار المنحدر فهذه طبيعة منطق الأشياء فكل متقدم يحل محل متأخر، ويبدو أن دول أوروبا قد بلغت الذروة منذ عقود تمددت واستعمرت وباتت تأخذ منذ صعود القوة الأمريكية منحى الهبوط والانحدار، وإذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم تواجه قوى موازية ومنافسة مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية فالمنطق الطبيعي أن تلك القوة أي الولايات المتحدة الأمريكية لا شك وصلت إلى نقطة التحول في الاتجاه ولذا نرى الرئيس ترامب ينصح دول أوروبا بالاعتماد على نفسها بدل أمريكا وكأنها إشارة انفصال بين أطراف المحيط الأطلسي، وليس المعنى انفصالاً تاماً أو عدائياً ولكن تباعد للاهتمام بالشأن الذاتي لشراسة التنافس الدولي وقوته الظاهرة في تقاطع المصالح، يقابل ذلك تلاقي وتوافق بين دول إسلامية كمحور متلاحم خاصة بعد تحسن العلاقات السعودية الإيرانية ووجود معاهدات تعاون بين المملكة العربية السعودية والباكستان وتركيا وكذلك علاقات قوية مع إيران وإرتيريا ولن يكون بعيداً انضمام الجزائر لتصبح هذه الدول ركيزة ونواة الخروج من وطأة التخلف والتأخر إلى انتشال العالم العربي والإسلامي من أدوات وضحايا للقوى العالمية إلى ند ومنافس ومقابل صلب في حماية مسار التقدم والنهوض.

إنه وإن كان حراك التغير في مراحل التاريخ للأمم تأخذ في العادة مسافتها الزمنية الطويلة التي تصل عقود أو قرون فان أدوات العصر الحديثة والمتقدمة عبر التقنية والتصنيع الإلكتروني قد تختصر المسافة الزمنية إلى سنوات معدودة تركض وتتسارع في المسار من خلال اختصار المراحل وتجاوز كثير منها بفعل تراكم النجاح الذي يدفع بشكل أسرع نحو تحقيق الأهداف وليس علينا إلا أن نتذكر كيف كان حال الدول العربية والإسلامية بداية الألفية الجديدة وإلى أين وصلت اليوم خلال عشرين عاماً فقط، بما يبشِّر بمستقبل آمن مطمئن رغم ما يسود اللحظة من تنمّر للكيان الصهيوني على حساب دول المنطقة والذي يجعلها تبدو وكأنها تتصارع مع مراحل التاريخ الذي بات يتجه إلى لفظها في مزابل التاريخ، فالعالم اليوم تغيَّر فعلاً، وليست خطة ترامب لإيقاف الحرب على غزّة ببعيدة منا بما فيها من ملامح تؤطر لاستقلال فلسطين وتحجيم هذا الكيان الصهيوني، فالمؤشرات التي ذكرتها آنفاً إن على المستوى الإقليمي أو الدولي شاء من شاء وأبى من أبى تأخذنا نحو مسار آخر مختلف يرفع بشائر النهوض والتحرر واندحار التبعية والوهن والضعف أو هكذا أحسب والله حسيب رقيب.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف