جريدة الجرائد

«الترمبية» محكوم عليها بالفشل ما لم تُضبط

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك طريقتان للتعامل مع أحدث موجات السلوك التي يبديها دونالد ترمب، وهو يحاول عبر سياسة الترهيب والاستغلال الإعلامي الصريح الاستحواذ على «غرينلاند»، ملوحاً بشن حرب تجارية إن لم تكن حرباً حقيقية.

القراءة الأولى مباشرة وواضحة: نحن أمام نرجسية مشوبة بشعور جنوني بالشفقة على الذات لعدم نيله جائزة نوبل للسلام، وهي حالة عدم الأهلية «الترمبية» المعهودة، غير أنها تضاعفت بفعل نشوة تدخله في فنزويلا، وتقلبات الشيخوخة، مع تعريض حلف الناتو بأكمله للخطر جراء نزوات «قيصر» مفترض يتعطش لإشعال الحروب في القوة العظمى التي يقودها.

أما القراءة الثانية، فيدعي أصحابها أنها أكثر واقعية وعقلانية، وأكثر حكمة وخبرة بعد سنوات طويلة من مراقبة ترمب في عمله. أليست هذه هي طريقته الدائمة في التفاوض؟ اتخاذ موقف يبدو عبثياً، وإثارة ذعر أنصار المؤسساتية وحماة الإجماع السياسي، وزعزعة استقرار الأسواق، ثم استخدام «نفوذ الرجل المتهور» لإجبار الدول الأخرى على قبول صفقة تصب في مصلحة أميركا؟ لا يمكنك اعتبار الأشياء الجامحة التي يقولها على وسائل التواصل الاجتماعي جوهر سياسته؛ فهو في النهاية مؤد استعراضي ولاعب محترف، ورغم أنه لا يتراجع دائماً، فإنه دائماً ما يبحث عن طريقة لمصافحة الخصم في النهاية.

أما تفسيري الشخصي، ونحن في أعماق عهد ترمب، فهو أنك بحاجة إلى مزج هاتين القراءتين لفهم الموقف. ترمب شخصية نرجسية غير مستقرة، يمتلك شهية لا تشبع لجذب الانتباه مع نواة أخلاقية مختلة، وإذا كنت تعتقد أنه يكتفي بلعب دور المفاوض، فأنت لم تفهمه جيداً: فهناك صدق تام يكمن خلف أكثر تذمراته ومباهاته عبثية.

وفي الوقت ذاته، يتمتع ترمب بقدر معين من الوعي الذاتي وغريزة قوية تجاه سبل السلطة في العالم، وهما أمران لا يظهران بوضوح بمجرد الاستماع إلى تباهيه وتنمّره. فهو يريد أن يكون مركز الاهتمام، لا أن يدمر العالم، وقد قضى حياته وهو يحول عيوبه الشخصية إلى نقاط قوة؛ مستخدماً في واقع الأمر تدني معاييره الأخلاقية وضعف سيطرته على نزواته سلاحاً في المفاوضات، ومصدراً للخوف والقلق والارتباك للأطراف المقابلة، ووسيلة تبدو غير عقلانية للوصول إلى غايات غالباً ما يتضح أنها عقلانية بما يكفي.

إن كل مراهنة على ترمب، بدءاً من مراهنة السياسيين الجمهوريين في ربيع وصيف عام 2016، وصولاً إلى مراهنة الناخبين المتأرجحين في خريف عام 2024، هي مقامرة على أن دهاءه العقلاني وغريزة البقاء لديه سوف يكبحان جماح جنون العظمة عنده. إنها مراهنة على أن ذلك الجانب من ترمب، الذي يبدو مستحقاً لتفعيل التعديل الخامس والعشرين بالدستور (لعزله)، يمكن السيطرة عليه وتوجيهه من قبل ذلك الجانب الآخر الذي يعيش داخل أرض الواقع ويدرك حدوده، مهما كانت غير مرحب بها لديه.

في ولاية ترمب الأولى، لعب أعضاء حكومته ومستشاروه هذا الدور، وبنجاح ملحوظ جعل بعض الأميركيين يشعرون بالحنين إلى استقرار عهد ترمب وسط الأزمات المتلاحقة في عهد بايدن. لكن كان بإمكانك أن تلمس، في الفترة التي سبقت أحداث 6 يناير (كانون الثاني) 2021، ما حدث عندما انسحب «من يقيدونه» تاركين الرئيس وحيداً - وحيداً مع المداهنين والمخبولين، ولكن الأهم من ذلك، وحيداً مع نفسه. فَدُون أي رقابة خارجية، وعلى الأقل حتى اصطدمت خططه بحائط سد متمثل في مايك بنس ومجلس الشيوخ، انهارت الرقابة الداخلية وانطلق الهوس بلا كابح.

أما في ولايته الثانية، فقد كانت الضوابط الداخلية أضعف مما ينبغي منذ البداية. حاول شخصيات مثل ماركو روبيو وسكوت بيسنت توجيه الرئيس، ونجحوا في ذلك أحياناً، لكن الكثير من المحيطين بترمب يعتقدون أن مستشاري الولاية الأولى تمادوا في محاولة تقييده، وأن غرائزه أفضل مما يظن المتشككون؛ وفي الوقت نفسه، يشعر ترمب نفسه بوضوح برد الاعتبار بعد عودته إلى السلطة، ويريد المضي قدماً إلى أبعد الحدود.

وهذا يعني أن أهم الضوابط الآن هي ضوابط خارجية. فلم تكن حكومة ترمب أو غرائزه الخاصة هي التي أجبرته على التراجع عن الجزء الأكثر جموحاً في حربه التجارية، بل فعلت ذلك أسواق السندات والقوة الصينية. وساعدت المحكمة العليا في وقف عمليات الترحيل إلى نظام السجون في السلفادور.

إذن، من يمكنه القيام بدور فرض الواقع في قضية «غرينلاند»؟ توقعي هو مزيج من القوى؛ إذ سيعمل كل من الأسواق المالية، واستطلاعات الرأي، والقادة الأوروبيين، وأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، على تحويل أزمة الناتو العبثية إلى نوع من التفاوض، أو إعلان محدود عن «نصر ترمبي»، بما لا ينتهي بحرب جائرة. (أما دور المحكمة العليا فيمكن تقييمه عندما يصدر حكمها بشأن نوع الرسوم الجمركية التي يستخدمها ترمب لترهيب الحلفاء، لكن حتى الآن، يبدو فشلها في إصدار حكم معجل مثالاً على حجب غير حكيم لآلية الرقابة الخارجية).

ولكن، حتى لو افترضنا أن قضية «غرينلاند» لن تكون التصعيد في السياسة الخارجية لانسياق ترمب خلف نرجسيته وصولاً إلى أحداث الشغب في الكابيتول، فإن مجرد استمراره في هذا النهج الجامح، ووصوله به إلى هذا الحد هو أمر تدميري بطبعه؛ تدميري للمصالح الأميركية تجاه الصين؛ لأن سلوك ترمب يشجع بوضوح بعض الأطراف الأوروبية والكندية على الميل نحو القوة الصينية. وتدميري للمصالح المحافظة الأميركية تجاه جيراننا الحضاريين؛ لأنه يُقوض الأحزاب اليمينية والشعبوية في جميع أنحاء أوروبا بنفس الطريقة التي قوّض بها المحافظين الكنديين العام الماضي. وتدميري لفرص حزبه في انتخابات عام 2026. وتدميري للثقة العالمية في الاستقرار الأميركي وفي رجاحة عقل واشنطن البديهية.

أكرر: من الممكن تحقيق غايات إيجابية عبر الوسائل «الترمبية»، لكن آلية هذا الإنجاز تتطلب قيوداً، والقيود التي نملكها الآن تبدو أضعف من أن تحقق الغرض، ولا تزال هناك ثلاث سنوات متبقية.

*خدمة «نيويورك تايمز»

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف