جريدة الجرائد

جوي أوورد.. حين تتحدث السعودية بلغة الفن

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

تغريد إبراهيم الطاسان

لم تعد صورة الدول تُرسم اليوم عبر الخطاب السياسي أو المؤشرات الاقتصادية وحدها، فالعالم أصبح أكثر إصغاءً لما يُعرف بالقوة الناعمة، تلك المساحة الذكية التي تتحرك فيها الفنون، والثقافة، والإنسان، والرسائل التي لا تُقال مباشرة لكنها تُفهم بعمق.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة «جوي أوورد» بوصفها واحدة من أكثر تجليات القوة الناعمة السعودية نضجًا وذكاءً، حدثًا لا يكتفي بأن يُبهر، هو يُقنع، برقي وتميز وأناقة، تترك أثره طويلًا في الذاكرة.

«جوي أوورد» لم تكن مجرد حفل جوائز، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، قدّم السعودية بوصفها منصة قادرة على صناعة حدث عالمي بمعايير احترافية عالية، واحترام عميق للفن وصنّاعه. في التنظيم، في الإخراج، في اختيار الأسماء، في تفاصيل المسرح والضوء والصورة والرسائل البصرية، لدولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تقول ذلك للعالم بهدوء وثقة، دون ضجيج، ودون استعراض زائد، ودون حاجة إلى المبالغة في تبرير حضورها.

اللافت في «جوي أوورد» أنها لم تعتمد على استيراد البريق، ولكنها أعادت تعريفه. لم تستعر المشهد، إنما أعادت صياغته بلغتها الخاصة. قدّمت السعودية نفسها كمكان يلتقي فيه الفن العربي والعالمي على السجادة البنفسجية دون تنازل عن الهوية، ودون ادعاء التفوق، ودون عقدة مقارنة.

وهنا تتجلى القوة الناعمة في أبهى صورها: أن تُقنع دون أن تُعلن، وأن تحضر دون أن تفرض نفسها، وأن تترك أثرًا يتجاوز لحظة التصفيق إلى مساحة أعمق في الوعي الجمعي.

ومن أجمل مشاهد هذا الحدث، ذلك الحضور الواضح للمواهب السعودية الواعدة، التي لم تعد تقف في طابور الانتظار، لكنها صارت جزءًا من المشهد نفسه. أسماء شابة، مثل ليندا الفيصل ورتيل الشهري رغم حداثة تجربتهما، الا انهما أثبتتا أن الموهبة السعودية لم تعد في طور الاكتشاف، بل دخلت مرحلة المنافسة والتمكين. وتبرز هنا تجربتهما بوصفهما نموذجًا للفتاة السعودية والواثقة، المتمكنة، الحاضرة بموهبتها لا بعمرها، لتؤكد أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن الفرص حين تُمنح بعدالة، تصنع قصص نجاح تتجاوز أصحابها إلى جيل كامل.

ولم يتوقف نقل الصورة السعودية عند الفن والأداء فقط، بل امتد ليشمل الذائقة الجمالية نفسها، خصوصًا في مجال الأزياء، حيث تحولت «جوي أوورد» إلى نافذة عالمية أظهرت ملامح الأناقة السعودية المعاصرة.

هنا برز اسم المصممة وعد العقيلي بوصفه واحدًا من الأسماء السعودية التي لفتت الأنظار بجدارة، لا من باب المجاملة، بل بروح تصاميمها المميزة. أن يُتداول اسمها عالميًا خلال الحدث، فذلك ليس تفصيلًا عابرًا، بل إشارة إلى كيف أصبحت المرأة السعودية اليوم شريكًا أصيلًا في صناعة الصورة الثقافية للمملكة، ومصدرًا حقيقيًا للإبداع والتأثير.

أما حضور الفنانين العرب، فجاء بنبرة مختلفة، هادئة، صادقة، وواضحة الدلالة. نانسي عجرم، وأصالة، وإليسا، كاريس بشار، وغيرهم، لم يكن حضورهم بروتوكوليًا، بل حمل في تصريحاته إشادة واعية بالتنظيم والرؤية واحترام الفن وبالسعودية التي بعد توفيق الله صنعت هذا الفرق. في احاديث لا يمكن عزلها عن التجربة نفسها، تجربة تعكس مقدار النضج الذي وصلت إليه السعودية في إدارة الفعاليات الكبرى، ليس كاستضافة، بل كصناعة مشهد كامل.

بهذا المعنى، لم تكن «جوي أوورد» حدثًا عابرًا في رزنامة الترفيه، بل رسالة ثقافية بعيدة المدى. رسالة تقول إن السعودية الجديدة لا تكتفي بأن تكون جزءًا من المشهد، بل تصنعه، وتعيد تعريفه، وتثبت أن القوة الناعمة حين تُدار بوعي، تصبح واحدة من أعمق أدوات التأثير وأبقاها في ذاكرة الشعوب.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف