عن الشعراء وصناعة الطغاة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
ماالفرق بين الملك والحلاق ولماذا لايمدح الشعراء الحلاقين؟ كيف أمكن للشعراء أن يدعموا جبروت الطغاة؟ كيف أمكن للأدباء والفنانين ومن يفترض فيهم أنهم اصحاب دراية ورأي، كيف تسنى لهم وكيف سولت لهم أنفسهم أن يأخذوا طرف الظالم في معادلة الظالم والمظلوم التي قامت بين الحاكم والمحكوم؟ ماهي ذرائعهم وماحججهم ولماذا لم يكونوا بحجم مسؤوليتهم الكبرى بأن يكونوا ضمير الجماهير فكانوا لسان الحاكم وعصاه؟ هل كان الشعراء الذين ذكرهم سبحانه وتعالى هم من نسميهم مثقفي السلطان في يومنا هذا؟ فقد وصفهم تعالى بقوله: "بسم الله الرحمن الرحيم
وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ* أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ* وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ* إلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ*"
لقد كان الشعراء في العصر الجاهلي ولفترة طويلة من العصور الإسلامية والى يومنا هذا بدرجة أو أخرى هم واجهة المجتمع الثقافية ووسيلتها الإعلامية وكانوا في كثير من الأحيان، وتلك من بعض الميزات التي لايفتخر بها الشعر العربي، يهتمون بالتكسب بواسطة اشعارهم وإغداق المدائح على من يستحقها ومن لايستحقها، وكان الحافز في معظم الأحيان هو القابلية على دفع مكافأة، فمن يدفع يفز بمديح الشعراء ويوصف بأحسن الصفات، تماما كما يحدث كثيرا في هذه الأيام وكما حدث لفترة طويلة من عصرنا الحاضر مع صدام حسين ومع غيره من سلاطين هذه الأمة.. وما كان شعر المديح محصوراً في العصور القديمة ولا مقصورا على صغار الشعراء، فهذا شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري يقول مهنئاً الملك حسين بن طلال بيوم مولده:
يا سيّدي أَسْعِفْ فَمِي لِيَقُــولا
في عيدِ مولدِكَ الجميلِ جميلا
وعلى الرغم من أن قصيدة الجواهري تلك تختلف عن كل قصائد مديح الملوك في تاريخ الشعر العربي إذ نجد الجواهري فيها يكاد يجعل منها قصيدة في مدح آل بيت الرسول (ص) أكثر من كونها مخصصة لشخص بعينه، سوى أن ذلك الشخص يناله ذلك المديح لأنه من سلالة معينة، فهو يقول
يا أيّـها المَلِـكُ الأَجَلُّ مكانـةً
بين الملوكِ، ويا أَعَزُّ قَبِيلا
يا ابنَ الهواشِمِ من قُرَيشٍ أَسْلَفُـوا
جِيلاً بِمَدْرَجَةِ الفَخَارِ، فَجِيلا
نَسَلُوكَ فَحْلاً عَنْ فُحُـولٍ قَدَّمـوا
أَبَدَاً شَهِيدَ كَرَامَةٍ وقَتِيلا
وعلى الرغم من أن الجواهري يختتم قصيدته بصورة ملفتة إذ يشير الى نفسه بوصفه نداً للملك وأنه إنما يمتدحه ردا لجميل بدأ به الملك وليس طلباً لمكافأة، فيقول:
فوَسَمْتَني شَرَفَاً وكَيْـدَ حَوَاسِـدٍ
بِهِمَا أَعَزَّ الفَاضِـلُ المَفْضُولا
ولسوفَ تَعْرِفُ بعـدَها يا سيّـدي
أَنِّي أُجَازِي بالجَمِيلِ جَمِيلا
نقول رغم ميل الجواهري الى مدح آل الرسول أكثر من ميله لمدح الملك ورغم تلك الطريقة التي تشير الى أن الجواهري كان يتعامل تعامل الند مع الملك إلا أن الحقيقة التي لايمكن التغافل عنها أن شاعر العرب الأكبر في العقد الأخير من القرن العشرين مدح ملكا لسبب أو لآخر مسايراً مألوف عادة الشعراء العرب بمدح الملوك، بغض النظر عما إذا كان ذلك الملك يستحق المديح أم لا، فتلك قضية أخرى. وما كان الجواهري قد قصر مدحه على الملك حسين ولاكانت تلك المرة الأولى فلقد مدح حكومة البعث العراقية ورموزا منها في السبعينات ومدح غيرهم من ذوي السلطة، فهو القائل في مدح محمد البكر وهو إبن الرئيس العراقي الأسبق أحمد حسن البكر في قصيدة بدأها متوجها بالحديث الى نفسه مسميا نفسه تسمية لايشك أحد في أحقيته بها، وهي "أبو الشعر":
أبا الشعر قل مايعجب الإبن والأباوهل لك إلا أن تقول فتعجبا؟
وهنا يصح أن يتساءل المرء مع الجواهري: هل أن في مستطاع الشاعر أن يفعل شيئا سوى أن يقول ما يعجب الحاكم؟ وسؤالنا هنا سؤال حقيقي يقصد منه الإستفهام وليس الإستنكار الذي أراده الجواهري في هذا البيت، فحتى لو كان ملك ما أو حاكم أو إبن حاكم يستحق المديح فهل يقع على عاتق الشاعر تنفيذ هذه المهمة أم أن مهمة الشاعر يجب أن تكون أسمى من أن يمدح شخصا على حسن أداء وظيفته، إذا اتفقنا أن الملوكية والرئاسة هي وظيفة وعمل يقوم به من هو كفؤ له، ومن ليس بكفؤ ينبغي عليه أن يتنحى جانباً ويبحث عن عمل آخر ووظيفة أخرى يمكنه أن يحسن أداءها؟ مثل حلاق غير ماهر، على سبيل المثال، ينبغي عليه أن يجد عملا آخر وإلا أعرض الناس عنه وبحثوا عن حلاق آخر يحسن صنعته ولايرسم خرائط برؤوسهم. ولو كان ذلك الحلاق قادرا على فرض نفسه على الناس بالقوة ولو كانت له السلطة على حمل الناس على الحلاقة عنده بوصفه الحلاق الأوحد والحلاق الضرورة لوجدنا كثيرا من الشعراء يمدحون الحلاقين ولوجدنا مغنين يغنون لهم وجماهير تهتف بالروح بالدم نفديك ياحلاق.
إن من أعمدة الدكتاتورية وأسسها الراسخة في ثقافتنا العربية هو ذلك التقليد الذي التزم به الكثير من شعرائنا ألا وهو مدح السلاطين وتحسين أفعالهم القبيحة والحسنة على السواء، في حين أن الشاعر، وخصوصا الشاعر العربي لما للشعر من أثر في وجدان العربي، ينبغي عليه أن يكون متمسكا بالمثل العليا ومعبرا عن أخلاق الناس أو مايجب أن تكون عليه أخلاق الناس.
وبعد أن غير الشعراء في شكل الشعر العربي من شعر العمود الى الشعر الحر واستمرت التحديثات تتوالى تباعا وكان شعراء العراق روادا في هذا المجال، لابد من توجيه دعوة ملحة لهم الآن أن يقودوا موجة جديدة من التغيير في الشعر وفي مجمل حقول الأدب كي يبتعدوا فيه ويبعدوه عن غايات السلطان ويكفروا عن حقب العار التي بقي متمرغا فيها مابين مديح متملق مهين وفخر طنان فارغ، من أمريء القيس حتى عبد الرزاق عبد الواحد ولؤي حقي... لقد قاد شعراء العراق ثورة تغيير شكل الشعر وعليهم الآن أن يقودوا ثورة تغيير مضامينه، لأن المضامين الحالية ساهمت بتصنيع الطغاة وهيأت أذهان الناس لتقبل الدكتاتورية والطغيان.
هكذا أزعم أن الشعر والشعراء مسؤولون مسؤولية كبيرة ومتورطون الى حد خطير بتصنيع وإفشاء ثقافة الإستبداد في العالم العربي على مر التاريخ. ذلك أن الشعر من أبرز وجوه الثقافة العربية وهو بدوره يقوم بصنع هذه الثقافة. فلابد من أن نتقدم بالرجاء لشعرائنا أن يدركوا أهمية مايكتبون وخطورته وأن يرتقوا الى عظم هذه المسؤولية، وهي مسؤولية صياغة أذهان الناس وتهيئتها للتعامل مع مختلف نواحي الحياة التي أحد الجوانب المهمة فيها طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. أما الشاعر الذي لايستطيع أن يرتقي بعمله الشعري الى ذلك المستوى فهو لايختلف كثيراً عن ذلك الحلاق الذي لايحسن صنعته ويشوه رؤوس الناس.
alkewther@hotmail.com