قصة دستور الكويت... والفجوة الحضارية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
فاخر السلطان من الكويت: بمناسبة مرور 43 عاما على وضع الدستور في الكويت ،الذي يصادف يوم الجمعة المقبل، يحتفل تلفزيون الكويت اعتبارا من يوم الخميس بهذه المناسبة ببث برنامج وثائقي بعنوان "قصة الدستور" يتضمن مقابلات مع أعضاء في المجلس التأسيسي الذي اعدوا الدستور.
وقال وزير الاعلام الكويتي انس الرشيد ان انتاج البرنامج ياتي احتفاء بهذه المناسبة التي وصفها بانها " فرصة طيبة لتذكر فضل الرواد الاوائل الذين ساهموا في وضع لبنات الكويت الحديثة بمباركة من اميرها الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح (والد ولي العهد الراهن الشيخ سعد العبدالله) وبقية الرجال الذين عاصروه ممن وضعوا الكويت نصب اعينهم فقدموا لنا دستورا ننعم بمقتضى مواده بالاستقرار والحرية والديموقراطية التي تعد نموذجا على مستوى المنطقة وعنصرا هاما ساهم في ريادة الكويت". واوضح ان البرنامج من اربعة اجزاء ويوثق مراحل وضع الدستور على لسان من عاصروا تلك الفترة بالاضافة الى عدد من المتخصصين.
وبين ان البرنامج الوثائقي نفذ على قدر عال من الحرفية التي مكنت من الاعتماد على لقطات تلفزيونية نادرة ستظهر الى جانب لقاءات مع عضوي المجلس التاسيسي عباس حبيب مناور ويوسف المخلد المطيري والامين العام للمجلس التاسيسي على محمد الرضوان والخبير القانوني في مجلس الامة الدكتور عبد الفتاح حسن واستاذ القانون العام بجامعة الكويت الدكتور عادل الطبطبائي.
ويعتبر يوم 19 يونيو(حزيران) من عام 1961 بداية مرحلة جديدة في تاريخ الكويت. ففي هذا اليوم استكملت الكويت سيادتها الكاملة وحصلت على استقلالها التام بانهاء احكام اتفاقية 23 يناير عام 1899 حين اعلن الشيخ عبدالله السالم الصباح عزمه على استكمال قيام المؤسسات الدستورية والحكومية في أقرب وقت، وبالفعل لم يمض شهران على توقيع معاهدة الاستقلال حتى كانت الخطوة الأولى وهي الدعوة إلى اجراء انتخابات عامة لمجلس تأسيسي يتولى عند تأليفه إعداد دستور للبلاد، يكفل لأبنائها الاشتراك العملي في إدارة شؤونها والإشراف على وضع قوانينها ومراقبة تنفيذها.
حكم عبدالله السالم
ومما هو معروف أن فترة حكم الشيخ عبدالله السالم تميزت بالرخاء السياسي والاقتصادي، وهو الذي حكم الكويت في الفترة من 1950 إلى 1965، حيث أرسى دعائم الرخاء داخليا بالمؤسسات الدستورية والقانونية التي انطلقت بها إلى آفاق الاستقلال والديمقراطية والنهضة الحديثة.
ففي عهده انتشر التعليم وزودت المدارس الحديثة بأحدث الأجهزة والمعامل والأدوات المدرسية، وأنشئت معاهد المعلمين، والمعاهد الخاصة للمعوقين.
وتم تأمين العلاج للمواطنين والمقيمين مجانا، وأنشئت المستوصفات والمراكز الصحية لرعاية الطفولة والأمومة، ومستشفي الصباح النموذجي لتوفير الرعاية الصحية الكاملة. كما أنشئت أكبر محطة لتقطير مياه البحر ومحطة كبيرة لتوليد الكهرباء، وبنيت المساكن لذوي الدخل المحدود، ونظمت المساعدات المالية للأرامل، واليتامى والعجزة.
ونشطت التجارة في عهده برا وبحرا وجوا، ونظمت التجارة الداخلية، وأصبحت منطقة الشعيبة الصناعية قائمة على صناعة تكرير البترول والإفادة من مشتقاته في الصناعات البتروكيماوية كالأسمدة وغيرها. وشهد عام 1961 في عهده استقلال الكويت، وكما أسلفنا تم إلغاء معاهدة الحماية المبرمة مع بريطانيا عام 1899، واستبدلت بها معاهدة صداقة وتعاون، وأصبحت الكويت دولة مستقلة ذات سيادة ، وعضوا في جامعة الدول العربية (في يوليو(تموز) 1961). كما أسهمت الكويت في عهده في التنمية الاجتماعية للدول العربية من خلال صندوق التنمية الكويتي الذي قدم معونات مادية وقروضا ميسرة ليست مشروطة بتوجهات سياسية معينة. وقامت بإنشاء المدارس في الكثير من إمارات الخليج العربي و اليمن و السودان وزودتها بالمدرسين والكتب اللازمة.
وفي عهده شكلت أول وزارة في الكويت بعد الاستقلال وإلغاء معاهدة 1899، وأجريت انتخابات عامة لاختيار عشرين عضوا يكونون المجلس التأسيسي الذي اضطلع بمهمة وضع الدستور.وأجريت الانتخابات لاختيار أول مجلس أمة بعد الاستقلال في يناير 1963 وتوالت بعد ذلك المجالس النيابية وترسخت المسيرة الديمقراطية في الكويت.
كما تبادلت الكويت التمثيل الدبلوماسي مع معظم دول العـالم، وانضـمــت إلـى هـيـئة الأمم المتحدة في 14/5/1963، وشاركت في المنظمات الدولية التابعة لها كمنظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) واليونسكو، والبنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية، وعملت جاهدة من خلال نشاطها الدولي على نصرة القضايا العربية بعامة ومن بينها القضية الفلسطينية. وصدر تحت رعايته أول دستور كويتي، وصدق عليه في 11/11/1962، ويشمل هذا الدستور إلى جانب تحديد شكل الدولة ونظام الحكم بها، اختصاصات السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ومبادئ اجتماعية وسياسية تتضمن حقوق الأفراد، والحريات العامة، والفصل بين السلطات مع تعاونها.
أنس الرشيد
من جانبه بين وزير الإعلام الكويتي أنس الرشيد ان وزارة الاعلام تعمل جاهدة على توثيق تاريخ الكويت من خلال انتاج عدد من الاعمال الوثائقية انطلاقا من ايمانها بالمسؤولية الملقاة على عاتقها لتوثيق الاحداث والمناسبات الوطنية التي مرت بها الكويت. وتابع ان الوزارة تهدف الى تعريف الجيل الحالي باهمية ما قدمته الكويت للعالم وما قدمه لها رجالها الاوائل عندما فكروا بالكويت اولا وفضلوها على انفسهم فتحولت بفضلهم ولاتزال الى واحة امن واستقرار وشعلة تضيء المنطقة على كافة الاصعدة. وشدد الرشيد على اهمية التوثيق الاعلامي بالنسبة للدول، موضحا انه جزء مهم لتاكيد وجودها وتثبيت هويتها معتبرا ان انتاج الاعمال والبرامج ذات الصلة بالاحداث والمناسبات الوطنية هو ما تعمل عليه حاليا وزارة الاعلام خاصة وانها تمتلك ارشيفا ضخما من المواد الاذاعية والتلفزيونية والسينمائية والفوتوغرافية التي ستوظفها لخدمة هذا الهدف.
وذكر ان تلفزيون الكويت سبق له ان بث خلال الشهر الماضي برنامجا وثائقيا عن مؤتمر جدة الشعبي عرض بالتزامن مع مرور الذكرى الخامسة عشر للمؤتمر الذي كان بمثابة رسالة من الكويتيين الى العالم تفيد بالتفافهم حول قيادتهم ومطالبتهم المجتمع الدولي باعادة الحق الكويتي الى نصابه.
وقال الرشيد ان المشاهد تعرف من المشاركين في المؤتمر على خلفيات ما جرى وكيف ظهر المؤتمر بهذه الصورة الى العالم من خلال ما قدموه من شهادات مبنية على ما خاضوه من تجارب خلال تلك الايام العصيبة فكانت المرة الاولى التي يقدم فيها التفزيون برنامجا وثائقيا يوثق ما جرى خلال مؤتمر جده الذي يعد منعطفا في تاريخ الكويت السياسي بشهادات المشاركين المنتمين الى كافة الوان الطيف السياسي.
جدايل وفداوية
ويأتي الاحتفال بالذكرى الـ43 على وضع الدستور الكويتي في وقت لا تزال الانتقادات توجه بحدة إلى ممارسات السلطة التشريعية ولأعضاء مجلس الأمة، كما توجه انتقادات مماثلة للقائمين على السلطة التنفيذية أيضا. ومن تلك الانتقادات في هذه الذكرى ما كتبه رئيس التحرير السابق لصحيفة الوطن محمد عبدالقادر الجاسم في موقعه الالكتروني "الميزان" تحت عنوان "جدايل وسيوف و... فداوية!". أنه "حين صدر دستور دولة الكويت لم يكن "كل" افراد المجتمع يعرفون معنى كلمة دستور, كذلك لم يكن "كل" الشيوخ يتقبلون احكامه فقد كان بعضهم يراها انتقاصا للسلطة والشيخة فيما رآها بعضهم الآخر اهدارا لحكم الأسرة ونهاية له, كما ان بعض اعضاء المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور لم يكن قد سمع من قبل بمدأ الفصل بين السلطات او استقلالية القضاء مثلا. وقد كان من الصعب اقناع بعض الشيوخ تحديدا بفكرة شعبية الوزارة وتوجه الدستور نحو تخفيض مشاركة الشيوخ في مجلس الوزراء, كما كان من الصعب عليهم هضم فكرة استقلالية النيابة العامة واختصاصها بالتحقيق والتصرف في الجنايات... ويمكن لكل من يقرأ محاضر المجلس التأسيسي ومحاضر لجنة اعداد الدستور ان يدرك الفجوة الحضارية بين توجهات ومبادىء الدستور وبين فكر بعض الشيوخ وبعض اعضاء المجلس التأسيسي".
ويضيف الجاسم بأنه "يصادف يوم الجمعة القادم11/11/2005 الذكرى 43 لصدور الدستور, واظن انه وبهذه المناسبة يحق لنا ان نتسائل: هل اختفت الفجوة الحضارية التي "كانت" ظاهرة إبان فترة الاعداد للدستور! هل تقبل "بعض" شيوخنا الدستور بجميع مبادئه واحكامه واصبحت ممارستهم السياسية تلقائية متفقة مع الدستور... وهل ينظرون الى الدستور باعتباره وثيقة مفيدة نظمت الحياة السياسية في البلاد... هل تراهم يحرصون على التمسك به ام انهم مازالوا يعتبرونه "غلطة تاريخية" ارتكبها الشيخ عبدالله السالم!! الاجابة ربما تكون سهلة... ومع ذلك سوف اتركها لكل من يقرأ المقال!!"
ويقول الجاسم "كلما قرأت في النظم السياسية وفي نظريات نشوء الدولة وتحديدا نظرية التطور الطبيعي وفكرة الدولة القانونية وظهور مبدأ الفصل بين السلطات وبداية النظام النيابي, كلما ايقنت اننا في الكويت وكل الدول العربية لم نزل نحتفظ ببعض مظاهر كل مرحلة من مراحل التطور السياسي, بمعنى اننا في الكويت مثلا نمر هذه الأيام في واحدة من مظاهر المجتمع البدائي حيث تختلط السلطة بشخص صاحب السلطة, فصاحب السلطة او رئيس الوزراء مثلا في اي نظام حكم "عصري" يمارس سلطاته دون ان تختلط صفته الرسمية بشخصيته, بمعنى ان هناك فصل بين السلطة وشخص صاحبها, فحين تقدم الحكومة مشروع قانون ويرفضه البرلمان أو حين يمرر البرلمان قانون غير مقبول من الحكومة, فإن هذا الرفض او ذلك التمرير لا يعتبر اهانة لرئيس الوزراء او كسر لهيبته او اخلال بالاحترام الواجب لشخصيته بما يتطلب التهديد بحل البرلمان او ضخ اموال لشراء الاصوات او تهديد اعضاء البرلمان ممن لديهم نقاط ضعف في ملفاتهم!! بل قد يعتبر صاحب السلطة موقف البرلمان المعارض له اشارة الى عدم تمتعه بالثقة مما يدفعه الى الاستقالة تحت تأثير احساسه المرهف كسياسى لا كصاحب سلطة, اما في الانظمة البدائية فإن شخصية صاحب السلطة تتداخل مع منصبه وتؤخذ الأمور على نحو شخصي بحت. ولأن انظمة الحكم الوراثية تعتمد اعتمادا كبيرا على السلطة الأبوية فإن "عدم الطاعة" يجلب المتاعب حيث بإمكان صاحب السلطة ان يأمر اتباعه بتعطيل مصالح "الولد غير المطيع" أو يأمر بمضايقته أو يسعى لشراء ذمته".
ويضيف الجاسم "من جهة أخرى فإن من بين مظاهر المجتمعات البدائية "تقديس" صاحب السلطة وتنزيهه عن الخطأ والاستجابة لأوامره دون مناقشة, وفي هذه الصورة اقتراب من فكرة المصدر الآلهي للسلطة حيث يتم اعتبار ان صاحب السلطة يتصرف بوحى ممن منحه تلك السلطة وهو بالتالي غير خاضع للمحاسبة من قبل الشعب, بل يصل الغرور ببعض اصحاب السلطة الى درجة الاقتناع بأن قدراتهم في الحكم "تخب" على مستوى شعوبهم وان " محد يفهم مثلهم" ولسان حال صاحب السلطة يردد " المنة عليهم اني مسؤول عنهم" وغالبا ما تجد هذا النمط من اصحاب السلطة محاط "بكوكبة من ذباب النفاق والفساد" يتدافعون امام "صاحبهم" الذي يتظاهر بالبساطة والتواضع وحب الناس.
ويختم مقاله بالقول "ان مظاهر التخلف السياسي الجديد الذي "ننعم" به حاليا كثيرة لا ينقصها سوى "شعور طويلة مجدلة وسيوف وفداوية" حتى تكتمل الصورة... وعلى من يحلم بدولة القانون والمؤسسات ان يواصل نومه, فالنوم افضل من عصر "الفداوية الجدد"!!