أخبار

عن ثلاثة عمّال سوريين يجهلون المستقبل

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


عن ثلاثة عمّال سوريين يجهلون المستقبل
هل انتهى دورهم فعلاً في لبنان؟

عصام سحمراني من بيروت: هنالك اختلاف دائم حول التسميات في لبنان لإعتبارات عديدة. وليس أدلّ على ذلك من الإختلاف بين مصطلحي "الإحتلال" أو "التواجد" السوريّ. لكن وعلى الرغم من تحدّث البعض عن آثار ما زالت قائمة، لا يختلف اثنان انّ هذه المرحلة انتهت وولّت وباتت من صفحات التاريخ اللبناني المحموم الذي لم يتّفق اللبنانيون بعد على كتاب مدرسي يجمعه موحّداً على صفحاته لتعدّد التفسيرات التاريخية لديهم في كلّ ما يمتّ للسياسة والدين بصلة.
إذاً يفترض والحال كذلك أن ينعكس الغياب العسكري السوري على التواجد العمّالي أيضاً. فعلاً فقد برز ذلك عبر عدّة إشارات وخطوات بعضها يتعلّق بالعمّال أنفسهم الذين عاد بعضهم إلى بلاده خائفاً أحياناً من إشاعات ،ربّما صحّ بعضها، تتحدث عن مضايقات يتعرّض لها السوريون، وأحياناً أخرى بسبب إنقطاع سبل أرزاق أولئك العمّال خاصة من يعمل منهم في شركات عدّ أصحابها أنفسهم من روّاد "الإستقلال" الجديد. أمّا أهمّ الإشارات فقد جاءت رسمية لبنانية عن طريق وزارة العمل في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية التي أقرّت مراسيم جديدة- قديمة خاصة بالسماح للعمّال الفلسطينيين بممارسة الأعمال كافة دون ايّ قيود كما في السابق. هذه الخطوة عدّها الكثيرون بمثابة الحلّ للفراغ العمّالي السوريّ المتوقّع.
عبد
يهزّ عبد رأسه علامة الموافقة دون أن يسمع كلمة واحدة من التوجيهات والتأنيبات التي كان صاحب المعمل يمليها عليه من خلف طاولته فالصوت لم يصل إليه. الضجيج ولا شيء سواه يغطي المكان بكميات كبيرة تعلو في فضائه فتشكّل وحدة متكاملة من الأصوات تشبه صوت مولّد كهربائي ضخم. هيستيريا يومية يعيشها كلّ من يعمل هناك تسبّبها أصوات الماكينات من عراوي ودرزة وحبكة وأزرار ومقصات كهربائية بالإضافة إلى الأغاني والبرامج الإذاعية تصدر من كلّ زاوية يتواجد فيها جهاز راديو دون توحيد بينها؛ "فلكلّ منّا ذوقه وبرامجه المفضّلة". ولا يبقى بعدها سوى الأصوات البشرية التي غالباً ما تتحوّل إلى صراخ يتناسب مع اسواق الخضار أكثر ممّا يتناسب مع معمل خياطة.
عبد هو واحد من العمّال السوريين في المعمل على كثرتهم. وعامل الخياطة السوري بشكل عام متخصص بالمهنة الأنثوية اللبنانية وهي "الدرزة" التي كان يطلق على العاملات فيها لقب "بنات المعمل". وقد أدّى رخص أجرة العامل السوري في بادئ الأمر إلى تخلّي الأكثرية الساحقة من المعامل عن الفتيات اللبنانيات العاملات لكنّ هذا الأمر سرعان ما تبيّن خطأه وضرره حينما لم يبق سوى السوري الذي طلب أجوراً اعلى، فلم يعد هنالك مناص من تشغيله وإعطائه الأجر الأعلى في ظلّ غياب البديل المتمثّل باللبنانيات.
عبد سعيد للغاية بالأجر الذي يتقاضاه "على القطعة" عوضاً عن الراتب وبالدولار أيضاً. هذا الأمر يشكّل لأهله وزوجته واولاده في سورية مصدر معيشة تتخطّى المتوسّط بدرجات، خاصة فيما يخصّ الفارق في صرف الدولار بين العملتين اللبنانية والسورية. "الحمد لله مستورة عمّرت بيت بالضيعة وفتحت معمل خياطة بتشتغل فيه زوجتي وأهلي" يتفاجأ من يسمع كلام عبد هذا أوّل الأمر لكنّ التفاجؤ سرعان ما يزول حين يعلم انّ عبد قد جمع منذ عشر سنوات لغاية الآن من عمله هذا ما يعادل ثلاثين ألف دولار ربّما يمضي اللبناني سحابة حياته دون أن يستطيع جمعها.
النشاطات اليومية الخاصة بعبد تتلخّص في مجيئه إلى المعمل صباحاً ورحيله مساءً إلى المنزل الذي يتقاسمه مع عدد كبير من العمّال السوريين في أماكن اخرى. ويترافق مع هذا الروتين اليومي روتين أسبوعي يمضي فيه إلى صلاة الجمعة في الجامع القريب. أمّا عن الفرص السنوية فلا تتعدّى أسبوعاً واحداً لكلّ من العيدين الكبير والصغير يذهب فيهما إلى ضيعته "لبثّ الأشواق" سرعان ما يعود بعدها إلى روتينه السنوي بنشاط أكبر. هذه هي حياة عبد في لبنان.
يوسف
لم يكن مصادفة ان يتمّ تشكيل يوسف إلى لبنان حين أنهى دورته العسكرية الإعدادية ضمن الخدمة الإجبارية. لم يكن ذلك مصادفة لأنّ يوسف يعرف أصول اللعبة في فرق الجيش السوري التي كانت في لبنان. تلك الأصول التي تقول انّ على المجنّد أن يرضي رئيسه بما يعادل نصف ما يجنيه من أيّ عمل يخوضه لقاء تسهيلات الرئيس بالإجازات الطويلة التي تتجدّد عند كلّ دفعة.
وهكذا فقد أتمّ يوسف خدمته العسكرية قبل خمسة أشهر فقط من الإنسحاب السوريّ؛ "وما حملت بارودة والله!". هو كان يعمل في إحدى محامص البزورات ويجني من جرّاء عمله هذا ثلاثمائة دولاراً أميركياً يذهب نصفها إلى الضابط. ولم يحاول أبداً إدّعاء راتب أقلّ والسبب وجيه برأيه حيث؛ "شو شغلة المخابرات غير هيك اشيا!!؟".
أتمّ يوسف خدمته العسكرية وافتتح محمصة صغيرة نوعاً ما – وهي مهنة سورية رائجة في الضاحية الجنوبية لبيروت في ظلّ رخص المواد السوريّة وإقبال الجميع عليها لأجل ذلك الرخص. وبطبيعة الحال فقد أتى يوسف بالأدوات والمواد الأوّلية من سورية. إفتتح يوسف محمصته وعمل ونام وأكل فيها مع أخيه وابن عمّه وازدهر عملهم بشكل متوقّع في ظلّ اختلاف احتياجاتهم عن احتياجات الشاب اللبناني التي لا يستطيع تحقيقها في وطنه الخاص.
إستمرّ الحال على ما هو عليه لدى يوسف حتّى تلقّى تهديداً بحرق محمصته أو بالرحيل. هذا بعد خروج الجيش السوري من لبنان. لم يبالِ يوسف كثيراً بالتهديد واعتبر اللبنانيين أجبن من أن يفعلوا ذلك. فعلاً لم تحترق محمصة يوسف لكنّ ما أصاب أخاه كان أفظع من ذلك حين تجمّع عليه عدد من مراهقي الضاحية واقتلعوا إحدى عينيه وسبّبوا له إعاقة أخرى في إحدى رجليه مع "فكّة" من الكسور والكدمات المتنوّعة. يوسف يفكّر الآن بالعودة إلى سورية.
تيسير
وإذا كان عبد ويوسف مستضعفين هكذا فالموضوع يختلف لدى تيسير الذي يلعب في ملعبه الخاص ولا يجرؤ أحد على مخالفته أو مقارعته فيه. الموضوع يختلف للغاية.."يا أستاذ تفضّل، أنت شاهد لا أكثر، هذا الشاب يزعم انّني زعبرت عليه، شوف بس وما تدفع شي وإذا عرفت وين البنت بتاخد خمسين ألف!!". وسط المئات من بائعي كلّ شيء، والمتسولين، والبصّارات في سوق "صبرا" ذي الأغلبية السورية الساحقة يأتيك صوت تيسير هذا لينبّهك إلى عمله الذي لا تتعدّى أدواته طاولة شبه منتصبة وثلاث ورقات من أوراق اللعب أو "الشدّة" إحداها "بنت الديناري".
هكذا يقف تيسير يومياً مع إثنين من شركائه اللذين يلعب واحداً منهما دور المنصوب عليه طالب الشهود، بينما يلعب الآخر دور أحد الشاهدين فلا يبقى سوى الشاهد الآخر أي الضحية الحقيقية الوحيدة في اللعبة الإحتيالية الرباعية.
وفي مراقبة بسيطة للعملية الكاملة يتّضح إنّ أكثر من يحاول تيسير ورفيقاه اصطياده لا تمرّ الحيلة عليه أو يدّعي خلاء محفظته من النقود. فتيسير يمدّ الشخص بالخمسين ألفاً الأولى كي يستدرجه لخسارة كلّ ما يملك. ويكون واهماً من يظنّ أنّهم سيتركونه وشأنه بعد الفوز غير المتوقع في المرّة الأولى فيمضي في حال سبيله. طبعاً لا فهناك عدّة إجراءات تبدأ بالإحتيال الكلامي وتمرّ بالسرقة العلنية عبر مدّ الأيدي إلى المحفظة والجيوب، وصولاً إلى تسليم الشخص لكلّ ما يملك طوعاً تحت تهديد المسدّس.
ولا ينجو من تلك العملية سوى من لا يملك فعلاً نقوداً . نقود يكون قد خسرها ربّما لدى أحد المحتالين الآخرين هناك إن بالورق أو "بالكشاتبين" أو "بالزهر" أو بلعب الأرقام في سوق لا تزوره القوى الأمنية اللبنانية سوى زيارات سنوية متقطّعة. وفي سوق لا يخضع لأيّ من القوانين سوى قانون تيسير ومن شابهه؛ قانون السرقة المسلّحة مع الفرق هنا بينها وبين السطو المسلّح فهنا تأتي الضحية برجليها إلى الحرامي الذي يسرق "عالقاعد". هذا عن تيسير الحرامي الذي بلا شرف.
عبد، يوسف، وتحسين ثلاثة عمّال يشكّلون -كلّ وحده- نموذجاً عن المدّ العمّالي السوري الذي استمر طويلاً ومازال في لبنان. ذلك المدّ الذي تسبّب بما تسبّب به من مشاكل إقتصادية كبيرة إن على صعيد البطالة أو على صعيد كساد المنتوجات الوطنية على أنواعها في ظلّ إغراق الأسواق اللبنانية بالبضائع السورية مع الغياب التام للمراقبة الجمركية من الناحية اللبنانية. ولا شكّ إنّ المشاكل الإجتماعية من عصابات تهريب أسلحة ومخدرات، وعصابات سلب واحتيال واغتصاب نشأت في قلب التجمّعات السوريّة كانت نتائجها أفظع.
هؤلاء الثلاثة هم جزء من أولئك العمّال بعضهم سوف يفيد الإقتصاد السوريّ حتماً لدى عودته. لكنّ الأكيد انّ من بينهم من سيؤسّس لمشاكل إجتماعية عديدة إعتاد أن يسبّبها في لبنان. أحصدوا ما زرعتم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف