أخبار

دروس أوباما الإندونيسيّة

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

بقلم رودجر كوهن:

عندما طلب من زملاء باراك أوباما الإندونيسيين في الصف أن يتذكروا الفتى الذين كانوا جميعا يطلقون عليه اسم "باري" (يُلفظ "بيري")، جاء وصفهم متناغما: "الممتلئ".

كان الطفل الممتلئ الطويل القامة الذي انضم إليهم في الصف الرابع في مدرسة بيسوكي الابتدائيّة عام 1970. إنه ذاك الفتى من والدة بيضاء وزوج أم إندونيسيّ، الذي كان يجلب معه إلى المدرسة سندويشاته الخاصة (وهو أمر غريب نظرا لانتشار عادة الاجتماع لتناول النودلز). أما الأغرب من كل هذا فهو أنه كان أعسر.

وراح أتي كيسخانتو، الذي أصبح اليوم مستشار في مجال التسويق، يستعيد الأيام الماضية قائلا: "لقد كنا نستغرب جدا كونه أعسر. هنا، كان الأمر يعتبر قلّة تهذيب، وكانوا يجبرونك على الكتابة بيدك اليمنى".

اجتمع العشرات من زملاء أوباما في الصف، في منزل ساندرا سامبواغا، وراحوا يتبادلون القصص حول الكياسة الاندونيسيّة. طوال سنتين بعد انتخاب أوباما عضواً في مجلس الشيوخ عام 2004، كانوا غير واثقين من أنه نفسه الفتى الذي انضم إلى مدرستهم باسم باري سوتورو (شهرة زوج أمه).

وقالت دوي أسمارا أوتوخو، وهي سياسيّة: "لم نكن نصدق أن هذا السيناتور الهزيل في مجلس شيوخ الولايات المتحدة هو اسم آخر لزميلنا المفرط النشاط الممتلئ بيري! لم نقتنع إلا عندما رأينا صورة له وهو فتيّ".

لقد كان الجو صاخبا خلال الاجتماع. كانت المدرسة تقع في منطقة ثريّة في جوار مينتغ. لقد أبلى الجميع بلاء حسنا. يتدلّى صليب من على حائط منزل سامبواغا، فهي مسيحيّة. أما معظم من تبقى من زملاء الصف فهم مسلمون، في بلد يشمل أكبر عدد من السكان المسلمين في العالم.
كانت سيترا ديوي الوحيدة التي تضع حجابا. قالت لي: "كنت أجلس بالقرب منه وكنت أقول له: بيري، ابتعد عني، فالعرق يتصبب منك. في إندونيسيا، يقولون ان الفتيان المفرطي النشاط "تفوح منهم رائحة الشمس". ضحك الجميع عندما قالت ذلك.

أصغيت إليهم وحاولت أن أتصور أوباما في التاسعة من العمر، يشعر بحرج شديد من الغناء، ويقايض السندويش مقابل الأرز اللزج، ويتحمل سحر شعره. وقالت سامبواغا: "كان يتجعد إلى الوراء باستمرار، تماما كالنودلز".

لا عجب في أن يكون أوباما ماهرا في قراءة ما بين السطور، واستكشاف الأماكن التي لا تعتبر سوداء ولا بيضاء، لا "معنا" ولا "ضدنا"، لا جمهورية ولا ديمقراطية. لقد أمضى حياته وهو يحاول أن يبني جسورا ليكوّن هويّة مترابطة. فهو لن يصبح كاملا تحت اسم باراك أوباما سوى من خلال توحيد مختلف الصفوف، في عالم تحدده حقائق مختلفة.

وإحدى هذه الحقائق المتعددة الدرجات هي الدين. فوفقا لذاكرة أوباما، لقد كان زوج أمه "يتبع فقهاً من الإسلام يمكنه أن يفسح مجالا لما تبقى من ديانات الروحيين القدماء والهندوس". ذلك يتناسب والإسلام الاستوائيين المرنين في إندونيسيا حيث يسود مبدأ "لك ديانتك ولي ديانتي" المتسامح يحول دون التطرّف.

تعاني الولايات المتحدة من مشكلة مع الدين الإسلامي، وسيواجه الرئيس الجديد تحد أساسيّ ألا وهو إعادة رسم العلاقات بين أميركا والعالم الإسلامي، وحثّ الحوار المفتوح بين المسلمين.

لقد عاش أوباما مع المسلمين، بدءا من طفولته في إندونيسيا وصولا إلى اللقاء اللاحق مع الدين الاسلامي المطابق للديانة الاندونيسية من حيث المرونة مع أقربائه في كينيا. كما باستطاعته أن يحدد الوهابيين السعوديين على أنهم تيار واحد بين عدة تيارات. في الإسلام تماما كما هي حالة غالبيّة الأمور، من الأفضل أن تتعامل مع واقع متعدد الأوجه، على أن تتعامل مع شياطين واضحة.

وصدر مؤخرا عن هيلاري كلينتون تلميحا ضعيفا مفاده أن ديانتها المسيحيّة هي "ديانة أهلي وأجدادي"، وقد بعث في نفسي القلق. ذلك مختلف بالطبع بالنسبة إلى أوباما، الذي ولد مسيحيا من والدة تتبع مبدأ "حركة الإنسانية الدنيوية" الذي يؤمن أنه "يمكن للأشخاص العقلانيين والمتعمقين في التفكير أن يرسموا قدرهم بأيديهم"، ومن أب كينيّ ولد في حضن عائلة مسلمة، وزوج أم مسلم.

نحن نعيش في زمن التفاعل. تقوم السلاسة والترابط بتحديد العالم، وهما يصوغان هويات هجينة غير محنّطة. تقول كلينتون الآن، معترضة كون أوباما متحفظا، إنها متديّنة وتوافق على حمل السلاح. قد ينفع ذلك في غرب بنسيلفانيا، لكنه لن يعبر الهوات الوطنيّة والعالميّة التي يخلفها بوش وراءه.

وقال كيسخانتو: "كنت أؤيد هيلاري، لكنني أنظر الآن في عينيها، وأرى شخصا دائم التوتر ولا ينفك يحسب لخطواته التالية، في حين أرى بعضا من الحكمة في عينيّ بيري".

قصدت المدرسة، حيث عُلقت في المدخل صورة ضخمة عن الحجاج في مكة المكرمة. تخيلت فريق "فوكس نيوز" يصوّرها ذات يوم، ليعلن أنها مدرسة إسلاميّة. لكن الأمر ليس كذلك، فهي مدرسة حكوميّة، تضم 85% من التلاميذ المسلمين، وهي نسبة أقل من المعدل الوطني بقليل.

تشتمل المدرسة على مسجد وغرفة صغيرة مخصصة للمسيحيين، فيها لافتة تقول: "أفهم أننا كلنا مختلفون، وهذا يشمل الجميع". قال لي المدير كواديانتو: "يختلط الأولاد المسيحيون والمسلمون ببعضهم بعضا بسهولة. ربما يجب أن يحضر المزيد من الأميركيين إلى هنا ليروا ماذا يحصل فعلا هنا".

لقد سبق أن ذهب أوباما إلى هناك. تخلص من سمنته وليس من الدرس الذي تعلمه في إندونيسيا وهو "الوحدة في التنوع"، وكلل بشعارات النبالة الوطنيّة.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف