زيارات ليلية لمشاهدة السلاحف العمانية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حيدر عبدالرضا من مسقط: تشهد السياحة البيئية بجانب السياحة الثقافية في السلطنة إقبالا متزايدا سواء من
استثمار سياحي
ومن المواقع التي أصبحت اليوم جذبا للسياحة البيئية في السلطنة والتي تشهد انتعاشا سنويا من القادمين إليها "محمية السلاحف" بشواطئ مدينة رأس الحد في المنطقة الشرقية من عمان، خاصة في أشهر الصيف من السنة. ويعزو علي بن عامر الكيومي مدير عام صون الطبيعة والحياة الفطرية في وزارة البلديات الإقليمية والبيئة ارتفاع عدد الزوار خلال هذين الشهرين لأسباب عدة، أبرزها أن هذه الفترة تصادف موعد الإجازات الصيفية للمدارس، وإجازات الموظفين، إلى جانب أن محمية السلاحف تتميز خلال فترة الصيف بجوها المعتدل، كما أنها تخرج على الشاطئ للتعشيش، ما يعطي الفرصة لزوار المحمية للاستمتاع والمشاهدة.
وأشار الكيومي إلى أن زوار “محمية السلاحف” تتزايد أعدادهم سنويا حيث يأتون للإطلاع على الموارد الطبيعية التي تتميز بها المحمية، ويشاهدون أنواع السلاحف الموجودة هناك، متوقعاً زيادة عددهم في السنوات المقبلة، خاصة من دول مجلس التعاون الخليجي. ولدى “البلديات خطة طموحة لتطوير المحميات الطبيعية، وتهيئتها للزوار بغرض إنعاش السياحة البيئية، ولتهيئة الأجواء المناسبة لنمو الأحياء البحرية التي تتميز بها المحميات الطبيعية.
وفي هذا الإطار تنشأ الجهات المعنية المزيد من المرافق الهامة من بينها دورات المياه، ومواقع التخييم، إضافة إلى السعي لتنفيذ خطة طموحة لتدريب وتأهيل مراقبي المحمية للقيام بواجباتهم من خلال الاستعانة بالتقنيات الحديثة في مجال مراقبة الأحياء الفطرية بالمحمية، تكثيف البحوث العلمية والدراسات، بالتعاون مع جامعة السلطان قابوس.
هجرة
والمعروف أن الشواطئ الممتدة لمدينة صور في المنطقة الواقعة بين رأس الجنيز وبر الحكمان تشهد خلال الفترة الواقعة من شهر سبتمبر إلى ديسمبر من كل عام قدوم السلاحف الخضراء إلى هذه المنطقة من السلطنة لتضع بيضها، كما أن هذه المنطقة هي محط أنظار الطيور المهاجرة بسبب شواطئها الرملية الضحلة أو ما يسمى " بطيحات الشاطئ" وهي أرض منبسطة يغمرها المد ثم ينحسر عنها تاركا خلفه ما يمكن أن تقتات عليه هذه الطيور بعد رحلتها الشاقة. وبسبب صعوبة الوصول بالسيارة إلى هذا الساحل فقد أصبح ملاذا طبيعيا لآلاف السلاحف والطيور المهاجرة ما بين إفريقيا، وأوروبا، وآسيا.
والمعروف أن المحيط الهندي الذي تقع عليه معظم الشواطئ العمانية تحتوي على خمسة أنواع مختلفة من السلاحف وهي: السلاحف الخضراء، والسلاحف ضخمة الرأس، والسلاحف الزيتونية اللون، وسلاحف الجف جلدية الظهر، وسلاحف العقيفاء والأنواع الثلاثة الأولى من هذه السلاحف منشؤها الأصلي شواطئ عمان. ويعتبر موقع رأس الحد في السلطنة من أكثر مواطن التعشيش ازدحاما في العالم، ويخرج في كل عام إلى الشاطئ العماني حوالي 20 ألف سلحفاة لتضع أكثر من خمسة ملايين بيضة، ويبدو من هذا الرقم الضخم انه من اليسير الحفاظ على الوضع الراهن للسلاحف الخضراء، لكن البيوض والأفراخ والسلاحف اليافعة تواجه أخطارا عديدة ومتنوعة كما تم ذكرها سابقا، إضافة أن السلاحف تشهد تهديدا حقيقيا جراء الضغوطات التي يمارسها البشر وقد بدأت أعدادها بالتراجع بشكل ملحوظ. ويعتقد أن اثنين أو ثلاثة فقط من بين كل 10 آلاف فرخ تعيش حتى سن البلوغ والتناسل، ومن هنا تعلق أهمية كبيرة ومتزايدة على جهود الحفاظ على الموارد الطبيعية في عمان.
معاناة السلاحف
وتضع هذه السلاحف بيضها على الشواطئ الرملية بطريقة مؤثرة للغاية حيث عليها أن تكافح من أجل البقاء منذ اللحظات الأولى من حياتها. فهي تفقس في الرمل حيث قامت أمهاتها بوضع بيضها بعد كفاح مرير في تسلق الشواطئ باستعمال زعانفها وعندما تفقس ينبغي على السلاحف الصغيرة أن تحفر في الرمل وان تجد طريقها للخارج وتزحف بأقصى سرعة إلى أن تصل إلى البحر فيما تحوم حولها الطيور وتطاردها السلطعونات والأسماك كي تقتات عليها. ومن بين كل عشرة آلاف سلحفاة تنجو سلحفاة واحدة من هذه المحنة القاسية لتنمو وتكبر ويبقى الموقع الذي فقست فيه هذه السلاحف محفورا في ذاكرة إناثها، وبعد خمس وثلاثين سنة تعود هذه السلاحف لتضع بيضها حتى ولو اضطرت للسباحة آلاف الأميال.
ورغم رشاقة هذه السلاحف وخفة حركتها في الماء إلا أنها بطيئة وثقيلة الحركة على الرمل. وهي تستخدم زعانفها فقط للتحرك، وتسلق الشاطئ وحفر الحفرة التي ستضع فيها بيضها. وتضع السلحفاة أكثر من 100 بيضة في الحفرة الواحدة ثم تغطيها بالرمال قبل أن تعود إدراجها إلى المياه. وهي تضع بيضها في ظلام الليل. وعادة ما تفعل ذلك حينما يكون القمر محتجبا. ومؤخرا أصبحت هذه الطقوس تجتذب السياح. وقد أدى تواجد الناس على الشواطئ وأضواء المصابيح وكاميرات التصوير إلى إخافة هذه السلاحف وإرغامها على العودة إلى الماء وفقدان بيضها. وبعيدا عن هذا الإزعاج الذي يسببه السياح، فان صراع السلاحف من أجل البقاء يتأثر سلبا بسبب حركة قوارب الصيد وشباك الصيادين. ولا أحد يعرف على وجه الدقة متوسط عمر السلحفاة، لكن الدراسات تظهر أن الإناث تظل خصيبة حتى سن السبعين على اقل تقدير، وكجزء من الجهود التي تبذلها عمان لحماية مواردها الطبيعية، فقد تم تأسيس محمية السلاحف الطبيعية في ابريل عام 1996 تغطي مساحة 50 كيلومترا مربعا من الساحل في منطقة ممتدة حول رأس الحد بشمال شرقي البلاد.
وتتألف المحمية من عدة شواطيء تعشيش، كرس احدها للزوار الذين يمكنهم قضاء ليلة في مخيم ميداني والانضمام إلى حراس الغابة مساء لمراقبة السلاحف الخضراء وهي تضع بيوضها. ويمكن رؤية السلاحف على طول الخط الساحلي العماني الذي يمتد على مسافة 1700 كم إلا أن أفضل طريقة لرؤية السلاحف هي العوم على وجه الماء مع إبقاء الرأس مغمورا باستخدام النظارات المزودة بأنبوبة تنفس فعندما يطفو المرء بهدوء ويبقى عينيه مفتوحتين على قاع البحر، فانه ربما يكافأ بمنظر سلحفاة ترعى على نباتات القاع، وربما يقترب ذلك الحيوان الفضولي من الشخص العائم ليتحقق منه عن كثب.
نزهة ليلية
معظم السلاحف تخرج إلى الشاطيء تحت جنح الظلام وفي تلك اللحظة تكون متوترة جدا فترتاح لبرهة عند حافة الماء متلفتة حولها بتوجس لتفادي أي خطر كامن، وعندما تشعر أن المكان آمن، تتابع تقدمها الشاق إلى الأمام ما وراء خط المد، ثم تختار لنفسها موقعا تحفر فيه حفرة كبيرة تكفي لجعلها خفية عن الأنظار ثم تقوم بحفر حجرة عميقة للبيوض. وخلال العشرين دقيقة التالية تضع حوالي 120 بيضة ناصعة البياض على دفعات تتراوح بين بيضة و 4 بيضات. ثم تغطي البيض بالرمل لتخفيه عن أنظار المفترسين مثل الثعالب التي ستسعد بوجبة شهية كهذه، وتجر الأنثى نفسها ثانية إلى المحيط في تلك اللحظة وتكون منهكة تماما لكن تلبية نداء الماء تتغلب على التعب أنها لحظة رائعة حقا عندما يغمر الماء صدفة السلحفاة لتبدأ باليوم برشاقة مبتعدة عن الشاطئ بعد أن أنجزت مهمتها المرهقة الشاقة. ولا احد يعلم على وجه الدقة أين تتجه السلاحف العمانية بعد ذلك لكن يعتقد أنها تقصد السواحل الصومالية أو الباكستانية ولاشك في أن برامج مراقبة هجرة السلاحف ستكشف عن مزيد من التفاصيل في السنوات المقبلة.
ويؤدي الرمل الساخن دور الحاضنة، وتلعب درجة الحرارة دورا مهما في تحديد جنس السلاحف فالدرجات العالية تنتج إناثا والدرجات الأخفض تنتج ذكورا. وبعد خمسة أيام تكون الفراخ مستعدة لشق طريقها من البيضة بمساعدة سن جنيني وحالما تخرج من البيضة تبدأ رحلتها الأولى، حيث يتعين عليها أن تكشف طريقها عبر الرمال حتى تصل إلى الشاطئ الذي قد يكون على ارتفاع متر كامل، وبالعمل الجماعي تستغرق مجموعة الفراخ يومين إلى ثلاثة أيام لتخرج إلى الهواء، وحالما تبرز من بين الرمال في الليل أو خلال ساعات الصباح الأولى تندفع بأقصى طاقتها نحو البحر. وهذه رحلة محفوفة بالمخاطر خصوصا في النهار حيث تكون النوارس الجائعة منتظرة بتلهف وتبدو الفراخ الصغيرة مرتبكة في بادئ الأمر ويبدأ بعضها بالتجول بالاتجاه الخاطئ لكن سرعان ما تجد طريقها الصحيح مسترشدة بالضوء أو الرائحة أو الصوت. ورغم كل المصاعب والمخاطر الكامنة إلا أن غريزة البقاء تدفع السلاحف الصغيرة نحو الماء لتشرع في رحلة جديدة مليئة بالمخاطر وتهاجر آلاف الكيلومترات بحثا عن الطعام قبل أن تعود إلى المكان نفسه بعد 30 عاما لتتزاوج وتتكاثر وهكذا فقط تستمر دورة الحياة.
تجاوزات
ونظرا لزيادة أعداد الزائرين لمشاهدة هذه الحيوانات وهي في حالة وضع البيض والحركة نحو البحر، إلا أن هناك تجاوزات من بعض القادمين ما يعكر صفو هذه الطبيعة. وحول ذلك يؤكد الكيومي أن حدوث هذه التجاوزات التي تحدث عند زيارة المحميات ينبغي الانتباه إليها من القادمين، والحد منها، ومن أبرزها ما يحدث في محمية “جزر الديمانيات” من عدم التقيد بالإرشادات، وعدم تصديق التصريح من المختصين بخفر السواحل بشرطة عمان السلطانية، إضافة إلى رمي المخلفات داخل المحمية، وإقدام بعض الصيادين على استخدام الشباك الممنوعة، ما يؤدى على تدمير الشعاب المرجانية.
أما بالنسبة “لمحمية السلاحف”، فهناك عدد من التجاوزات التي ينبغي على زوار المحمية القضاء عليها وعدم ممارستها من أبرزها التصوير باستخدام الإضاءة الصناعية، وإزعاج السلاحف أثناء وضعها للبيض، ورمي المخلفات في الشواطئ، ورمي بعض الصيادين لشباكهم في مواقع التعشيش، مما يعيق السلاحف عند الرجوع إلى البحر. ودعا الكيومي المواطنين والمقيمين إلى زيارة المحميات الطبيعية بالسلطنة، والاستمتاع بما يتوافر بها من مقومات بيئية متميزة، مع ضرورة الالتزام باستخراج التصاريح اللازمة، ومراعاة الإرشادات واللوائح التي توجههم إلى الطرق المثلى في التعامل مع الأحياء الموجودة في تلك المحميات، وذلك لضمان إيجاد البيئة المثلى لنمو وتكاثر تلك الأحياء.