عمارة المساجد في سلطنة عمان
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
حيدر عبدالرضا من مسقط: يوجد في سلطنة عمان حاليا ما يربو على 13600 جامع ومسجد موزعة على مختلف المحافظات والمناطق العمانية وعلى اختلاف أحجامها وعمارتها. وفي الغالب الأعم كانت المساجد في لماضي بسيطة في البناء ولم تكن ذات طابع جمالي سوى جمال الروحانية التي تكسوها بنور عمّارها، فيما تميزت بعضها بنقوش في محاريبها وهي غاية في روعتها ودقتها وتميزها.
وقد اهتم العمانيون ببناء المساجد وعمارتها منذ أن منّ الله عليهم بدخول الإسلام في العام السادس للهجرة وذلك بإسلام الصحابي الجليل مازن بن غضوبة السعدي السمائلي حيث قدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعلن إسلامه وأكرمه الله بدعاء رسوله محمد عليه السلام لعمان وأهلها بالخير حيث قام مازن رضي الله عنه بعد رجوعه إلى عمان ببناء مسجد (المضمار) الذي لا يزال باقيا. ومنذ تلكم اللحظات وأهل عمان عموما شأنهم كبقية المسلمين اهتموا بأمور المسجد نظرا لما يمثله من أهمية واقتداء بفعله عليه السلام حيث كان أول مشروع شرع بإقامته في صدر الدولة الإسلامية هو بناؤه لمسجده الشريف ليكون منطلقا للدعوة إلى أصقاع الأرض ومدرسة يتخرج فيها أخيار الأرض وبررتها وهم من اختارهم الحق سبحانه ليكونوا مخرجي الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.
ولقد كان العمانيون سباقين إلى كل خير ومن ذلك تسابقهم إلى بناء بيوت الله وإعمارها طلبا لمثوبة الله وابتغاء مرضاته وتيمنا بما تقوم به من دور بارز في حياة المسلمين. وبما أن العمانيين جزء من مكونات الدولة الإسلامية وعضو فاعل في مسيرة التاريخ الإسلامي فقد اهتموا ببناء المساجد والبداية كانت من مسجد المضمار حيث بدأت بعدها المساجد في الانتشار في هذا البلد المسلم، ومع مرور الأيام ازدادت المساجد عددا وتطوراً في أحجامها وما تجهز به من خدمات.
وفي مرحلة من مراحل التطور في بناء المساجد ظهر الاهتمام بالمحاريب حيث استحدث فن النقش بمادة الجص وكان ذلك في القرن السابع الهجري وازدهرت في القرن العاشر الهجري وامتد إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري. وعادة ما تتكون النقوش من آيات قرآنية كريمة والشهادتين بخط كوفي جميل مع تواريخ الإنشاء، وأسماء من قاموا بتمويل البناء والصناع الذين صنعوا هذه المحاريب إضافة إلى نقوش هندسية بديعة وما زال عدد منها موجوداً حتى الآن يقاوم عوامل الزمن.
وفي العصر الحديث أخذت المساجد أشكالا متعددة وأحجاماً مختلفة وتعددت بها المرافق، وأخذ الشكل المعماري الحديث المتوائم مع أصالة الفن المعماري الإسلامي. وللتدليل على ما سبق فإنه يصعب على كل متتبع أن يحصر الجوامع والمساجد التي تزخر بها السلطنة إلا إننا في هذه العجالة سوف نبرز ثلاثة جوامع أهمها جامع السلطان قابوس الأكبر.
فمنذ بداية النهضة الحديثة في عمان في يوليو عام 1970 شهدت عمارة المساجد تطورا بحيث كانت -ولا تزال- محل عناية كبيرة من لدن الحكومة العمانية وديوان البلاط السلطاني ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية. وقد أخذت المساجد في هذا العصر الزاهر تمارس دورها الفاعل على أكمل وجه وتؤدي رسالتها القرآنية الروحية على خير حال. وكما هو معلوم فان للمساجد في الإسلام دور بارز في حياة المسلمين حيث كانت -ولا تزال- مكانا يلتقي فيه المسلمون ليتشاوروا وليعلموا أحوال بعضهم البعض كما كانت مركزا لانطلاقاتهم البناءة في خدمة دينهم وأمتهم وأوطانهم، لذا كان المسجد هو أول ما اهتم به الرسول المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم حين نزل المدينة أن بدأ أول ما بدأ به بناء المسجد ليكون مدرسة تخرج المسلمين الذين أسسوا تلكم الحضارة العظيمة التي لم يشهد لها التاريخ البشري مثيلا. وترعرعت في كنف المسجد الذي يعتبر مصدر إشعاع علمي ومدرسة أخلاقية تربوية ومكان عبادة وبرلمان الدولة تؤدى فيه الصلاة وفيه تدرس العلوم وفيه تربى النفوس وتهذب إذ فيها يلتقي المسلمون لعبادة الله وحده وإقامة شعائر دينهم، وفيها يتدارسون أمور دينهم ودنياهم بما يمثل لهم نقلة في الحياة الدنيا، إذ الحضارة الإسلامية حضارة روحية.
جامع السلطان قابوس الأكبر
يعد جامع السلطان قابوس الأكبر ببوشر في العاصمة مسقط أبرز المساجد المعمارية الحديثة بالسلطنة التي هي
وقد بدأ العمل في تأسيس الجامع في 29من جمادى الآخرة عام 1415 للهجرة الموافق الأول من يناير عام 1995 للميلاد على مساحة كلية تقدر بـ (884065) مترا مربعا وعلى مساحة بناء تبلغ (39840) مترا مربعا ليستوعب أعدادا تفوق الخمسة عشر ألف مصل ومصلية وأخذ في تصميمه طابعا فريدا كمعلم بارز من معالم العمارة الخالدة التي تم إنجازها في هذا العهد، حيث تجسدت فيه المكونات التي تزخر بها تصاميم العمارة الإسلامية بعد تطويعها بشكل عصري ينأى بها عن السائد والمألوف في تمازج فريد بين الأصالة والمعاصرة الحديثة. وقد تم افتتاح الجامع يوم الجمعة العاشر من شهر صفر لسنة 1422هـ الموافق 5 من شهر مايو لسنة 2001م تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد.
وهو يتكون بالإضافة إلى الحرم الرئيسي للجامع البالغة مساحته حوالي 4331 مترا مربعا من صحن داخلي بمساحة تقدر بـ 2107 أمتار مربعة ومن صحن المدخل بمساحة تبلغ حوالي 768 مترا مربعا ومن أروقة جانبية تقدر مساحتها الإجمالية بحوالي 2880 مترا مربعا. أما الصحن الخارجي فتبلغ مساحته الكلية حوالي 14239 مترا مربعا. كما توجد به قبة رئيسة ترتفع فوق سطح الأرض بحوالي 50 مترا وله مئذنة رئيسة بارتفاع فوق سطح الأرض بحوالي 915 متر في النهاية. أما المآذن الثانوية الأربع فترتفع فوق سطح الأرض بارتفاع حوالي 45 مترا مربعا.
ملحقات الجامع
نظرا للدور الذي أنشئ من أجله لإحياء رسالة المسجد ونشر التوعية الصحيحة بالإسلام الحق في المجتمع وليكون أثره عميقا في حياة الفرد بحيث يؤدي دوره أيضا كمركز للإشعاع العلمي الثقافي وكمحور لتوثيق روابط التواصل الإجتماعي بين أفراد المجتمع ولما تتطلبه مقتضيات العصر التي تفرض على المسلم أن يكون ملما بأمور دينه وغيرها من الأهداف، فقد ألحق بالجامع عدة مرافق منها قاعة الاجتماعات والندوات وتقع مع المرافق التابعة لها على مساحة تقدر بنحو 985 مترا مربعا وتسع القاعة لحوالي 500 شخص، ومكتبة تضم أكثر من 14 ألف عنوان في مختلف مجالات المعرفة باللغتين العربية والإنجليزية بالإضافة إلى بعض اللغات الأخرى. كما تقدم بعض الخدمات والتسهيلات لروادها مثل خدمة التصوير، وخدمة الإنترنت وغيرها من الخدمات وهي مزودة بكافة المرافق اللازمة ومهيأة بآخر ما توصل إليه العلم في مجال علوم المكتبات كما تزخر بالكتب النفيسة من المراجع والمصادر القيمة بحيث يجد كل من قصدها مبتغاه منها.
كما أصبح هذا المعلم الديني مقصدا سياحيا أيضا حيث يتوافد الكثير من الوفود السياحية القادمة إلى عمان سواء من الدول الإسلامية أو غيرها بزيارة هذا الجامع الكبير للصلاة فيه أو الوقوف على بناءه وعمارته، أو حضور نشاط ديني به، حيث يقوم الجامع بين فترة وأخر بتنظيم بعض الندوات والأمسيات الدينية والتاريخية، واستضافة شخصيات عربية وإسلامية وأجنبية لإلقاء محاضرات تتناول مختلف جوانب الحياة الإسلامية والقضايا التي تهتم الأمة الاسلامية.