المراة التي اكتشفت أقدم مدينة في العالم
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
أسامة العيسة من اريحا: على بعد نحو 2 كلم من مركز مدينة أريحا، يقع تل اصطناعي بيضاوي الشكل، يعرف باسم (تل السلطان)، تعود إليه الشهرة التي تعرف بها واحة أريحا، بأنها أقدم مدينة في العالم.
لم تكن كينيون، أول من نقب في هذا التل الصغير، الذي أصبح يعرف بأريحا القديمة، فقد سبقها كثيرون، ففي أريحا والمدن الفلسطينية الأخرى، انطلقت حملة تنقيب كبيرة، منذ أكثر من أربعة قرون، على يد بعثات أجنبية بحثا عن جغرافية التوراة، وعن الأماكن التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس، وان كانت حملات البحث لم تسفر عن اكتشاف ما أراده المنقبون، إلا أنها كشفت عن الكثير.
وفي تل السلطان، بدأت بعثة ألمانية-نمساوية، الحفريات فيه، في عام 1911، ولكن هذه البعثة لم تحقق نتائج ملموسة، ولكن حفريات، نفذتها مدرسة الآثار البريطانية بالقدس بين عامي 1930-1936، أسفرت عن اكتشافات مهمة، أعلنها البروفسور جون جارستانج، مسؤول البعثة ومنها العثور على خنادق وطبقات أثرية تعود لنحو 6 الاف قبل الميلاد، وعثرت البعثة البريطانية على أضرحة دقيقة الصنع تعود إلى العصر البرونزي الأوسط، والمعروف فلسطينيا، باسم عصر الهكسوس.
وجارسنغ، هو أول مدير لدائرة الآثار الفلسطينية، عين في منصبه عام 1920، وكان، مثل كثيرين غيره، من أنصار المنهج التوراتي في التنقيب الأثري في فلسطين، فشجع المنقبين أصحاب الفكر الصهيوني على العمل ووضع بتصرفهم الإمكانيات اللازمة، خصوصا، وان عمله لم يكن بعيدا عن هدف سياسي للانتداب البريطاني صاحب وعد بلفور بتمكين اليهود من "وطن قومي" في فلسطين.
أقدم من الاهرامات
وعندما جاءت الدكتورة كينيون، بعد ذلك لتكمل ما فعله مواطنوها، كان لديها ثقة بان التل، لن يخذلها، وهو ما حدث.
وربما الأهم، أنها، اختلفت عن من سبقوها وخصوصا جارسنغ، في المنهج، فهي، أدركت منذ البداية، انه من
عملت كينيون، في التل، حتى عام 1961، وكانت الاكتشافات تتوالى، ونشرت عن ذلك في مجلدين كبيرين.
أشارت كينيون إلى أن تل السلطان هو عبارة عن بقايا لنحو 23 حضارة قديمة، تتالت على المكان ومساحته نحو 3 هكتارات، وكشفت عن خندق عرضه 9 أمتار وعمقه أكثر من 3 أمتار، محفورا داخل الصخر، وكشفت أكثر من مئة قبر، وأختام، وبذور، وعلى ما اعتبر أقدم نظام درج في العالم، وأقدم حائط أو ساتر كبير وأقدم برج دائري للدفاع في العالم، يعود إلى 8000-9000 سنة قبل الميلاد.
وهذه الاكتشافات، جعلت كينيون تقول للعالم، بان أريحا هي أقدم مدينة في العالم، محددة العصور التي استوطن الإنسان فيها، حتى العصر البيزنطي، والإسلامي الأول.
وكان لدى كينيون، من خلال هذه الاكتشافات، ما يشير إلى أن أريحا شهدت سلطة مركزية، وكانت أولى الحضارات في تدجين الحيوانات والزراعة المنظمة وصناعة الفخار.
وان ما كشفته، كالبرج الدفاعي والسور، سبقت الاهرامات بنحو 4000 سنة.
ثورة أثرية
ويمكن الإشارة، إلى أن كينيون، أحدثت ما يمكن اعتباره ثورة أثرية، عندما رفضت الرواية التوراتية حول أريحا، وهدم أسوارها المحصنة من قبل يشوع بن نون، مشيرة إلى أن الاكتشافات لم تنبيء عن أي شيء من ذلك، وهو الأمر الذي ما زال يثير جدلا حتى الان.
ورغم الكشف الذي ينظر إليه بأهمية في العالم في تل السلطان، إلا انه لا يحظى محليا، بنفس الاهتمام الذي تحظى به (عين السلطان) التي تقع بجوار التل، بل أن هذه العين أكثر شهرة بكثير من هذا التل الأثري الذي يقصده باستمرار أثريون من العالم، مقتفين اثر كينيون.
و
وسمي نبع عين السلطان بهذا الاسم لأن البابلين اقتلعوا عيني احد ملوكهم في المكان.
بالقرب من عين السلطان عملت كينيون، وشربت واغتسلت بمائه حتى عام 1961، عندما انتقلت إلى القدس، حيث كشفت حفرياتها عن أثار أخرى مهمة، ولكن لم يقدر لها الاستمرار، فبعد حزيران (يونيو) 1967 تغير كل
وعادت كينيون إلى بلادها، والى لندن التي ولدت فيها عام 1906ابنة للسير فريديك كينيون، الذي عمل كمدير للمتحف البريطاني لأكثر من عشرين عاما.
ورغم أنها استمرت في بحثها إلا أن اكتشافها لأقدم مدينة في العالم، هو من ظل يثير النقاش حولها، الذي كان يتجدد بين فترة وأخرى، ومنها ما كان في عام 1981، عندما كان عليها أن تواجه من جديد تفسيرات أثريين لاكتشافها في أريحا وعلاقته بقصة يشوع بين نون في التوراة، فردت على ذلك بالكتابة في صحف اميركية وبريطانية "في أريحا ثمة أحلام، وخرابون، وأشباح، لم أجد جرة مهجورة ربما تركتها ربة منزل قبل الغزو الإسرائيلي للمدينة، لم أجد شيئا يعود لعصر يشوع".
ورغم الهجوم الذي لم ينقطع عليها، والذي اتخذ صبغة علمية، إلا انه كان هناك من قدر اسهماتها الجوهرية في علم الآثار، فمنحتها الملكة إليزابيث الثانية عام 1973، وساما ولقبا، وفي عام 1978 توفت كينيون، التي لم تتزوج، وحيدة عن عمر 72 عاما، والتي ينظر إليها الان كواحدة من أهم الأثريين في القرن العشرين.