إيلاف+

فندق الحاج امين شاهد على تاريخ القدس الحديث

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أسامة العيسة من القدس:على الأغلب، فانه لا يوجد أهم من الفن المعماري، أي شيء آخر يمكن أن يشكل شاهدا سياسيا وثقافيا ودينيا، على أدوار الحضارات والرجال والأمم في حياة مدينة القدس على مدى قرون من تاريخها، ويمكن لمس ذلك من أساليب البناء الثرية والمتعددة سواء في البلدة القديمة داخل الأسوار، أو خارجها، إلى درجة يمكن وصف المدينة بقسميها الشرقي (المحتل عام 1967) والغربي (المحتل عام 1948)، بأنها عبارة عن متحف مفتوح يعطي فكرة عن أساليب البناء الرومانية، والإسلامية المبكرة، والبيزنطية، والأموية، والعباسية، والأيوبية، والفاطمية، والمملوكية، والألمانية، والحبشية، والإنجليزية، والعثمانية، واليونانية، والجورجية، والأرمنية..وغيرها.

وتؤشر هذه الأساليب المعمارية، اكثر من أي شيء آخر، إلى البصمات التي تركها أصحابها على المساجد، والكنائس، والمدارس، والمستشفيات، والفنادق، والزوايا الصوفية، والترب، والمكتبات..الخ.

ورغم أن دور الفن المعماري، في حياة المدينة السياسي والثقافي، لم يحظ بدراسات وافية، إلا أن كثيرا من الخلاف السياسي الان يرتبط بالفن المعماري، ولا يوجد مؤشرا افضل من ذلك على البناية الفخمة المثيرة للاهتمام التي بناها المجلس الإسلامي الأعلى عام 1929 في حي مأمن الله، خارج أسوار المدينة من الغرب، وعرفت طوال سنوات باسم (فندق بالاس).

ومن الصعب لأي مار في حي مأمن الله أو كما يعرف اختصارا بـ (ماميلا) إلا الوقوف، بانبهار، أمام المبنى الذي بني على الطراز الإسلامي، وارتبط بجزء مهم من تاريخ القدس السياسي المستمر حتى الان.

ويفصل هذا المبنى عن مقبرة مأمن الله شارع إسفلتي عريض، وهي المقبرة المهمة التي تضم رفات قادة وفاتحين وعلماء ومؤرخين وقادة جيوش من مختلف العالم الإسلامي، وبعد عام 1948، ووقوعها تحت سيطرة إسرائيل، تم تحويل جزءا من المقبرة إلى حديقة يرتادها مثلي الجنس من اليهود، وقسم آخر لموقف سيارات، والان تسعى إسرائيل لبناء ما يطلق عليه (متحف التسامح) على ما تبقى من المقبرة، وهو ما يثير صراعا كبيرا بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

أما مبنى فندق بالاس، كما يصر الإسرائيليون أن يطلقوا عليه، فكان حظه افضل من المقبرة التاريخية التي يجاورها، على الأقل من بعض النواحي، وان كانت إسرائيل تقف حائرة حول ماذا تفعل به.

فما هي قصة هذا المبنى، الذي يطلق عليه الفلسطينيون (بناية الحاج أمين)، في خضم الصراع السياسي-الثقافي المعاصر على مدينة القدس؟

تحدي سياسي وثقافي

بعد وفاة مفتي القدس كامل الحسيني، في بداية الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين، عين البريطانيون مكانه شقيقه الحاج امين، الذي اصبح مفتيا ورئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى.

نقش على واجهة المبنى وكما هو معروف اصبح الحاج أمين الزعيم السياسي الفلسطيني الأول، الذي وفي خضم الهموم السياسية، اتجه نظره لمشروع، يبدو للوهلة الأولى بأنه ليس له أية علاقة بالسياسة أو بالتحدي الحضاري الذي فرضه النشاط الصهيوني المتزايد، وهو تشييد مبنى على الطراز المعماري الإسلامي، في غرب المدينة، على بعد مسافة لا تبعد كثيرا عن أسوار المدينة القديمة، في منطقة ماميلا.

ولا شك أن الحسيني، لاحظ النشاط المعماري المتزايد في غرب المدينة، التي لم تكن تعرف بهذا الاسم وإنما بالقدس الجديدة، والتي كانت تتوسع خارج الأسوار في نشاط معماري محموم، لفئات ومجموعات عديدة في مدينة القدس ذات الطابع الكوزمبلوتي، فأخذت تنشأ بنايات على طرز معمارية حديثة وغير مسبوقة، لجاليات أجنبية، وأخرى متجذرة الجذور مثل بطريركية الروم الأرثوذكس، وربما الأهم، المشروع الذي كان يبينه يهودا وهو فندق الملك داود، بالإضافة إلى مبنى جمعية الشبان المسيحية.

وبدأ الحاج أمين باسم المجلس الإسلامي الأعلى بناء فندق في منطقة ماميلا، ذات العمق الإسلامي، والتي تحولت إلى منطقة تجارية هامة في القدس الجديدة، تضم بنوك ومخازن تجارية ومكاتب حكومية.

وعلى ارض أهدتها البطريركية الأرمنية لحكومة الانتداب البريطاني، بنت الأخيرة دائرة عامة للبريد في الحي، الذي كان فيه أيضا محلا كبيرا لشركة سبينيس لبيع الملابس واللحوم والبضائع البريطانية المستوردة، ووجد في الحي مستشفى حكومي للحيوانات، وسوق الجمعة لبيع المواشي، ودور للسينما.

في مثل هذا الأجواء، صمم بناء الفندق الذي يرعاه الحاج أمين الحسيني وبادر إليه، للتأكيد على الوجود الفلسطيني السياسي والثقافي في غرب المدينة، المهندس المعماري التركي النحاس بك، واعلن في الصحف المحلية عن عطاء البناء، الذي رسى على شركة مقاولات تبين فيما بعد انه يديرهما يهوديين.

وفي تحقيق مطول عن الفندق كتبه الصحافي دورون جيللر في صحيفة الجيروسالم بوست في شهر آب (أغسطس) 2000 تطرق إلى هذا الموضوع "تقدمت بطلب لهذا العمل شركة مقاولات كبرى يرأسها يهوديان، ياروخ كتنكا وتوفيا دونيا، وبسبب معرفتهما بكره المفتي لليهود -وكان دونيا ابن أخت الزعيم الصهيوني حاييم وايزمان- أضاف الرجلان اسم مسيحي عربي في طلبهما وجربا حظهما".

وأضاف الصحافي الإسرائيلي مكملا روايته "ولدهشتهما الكبرى تم منحهما العقد ودعيا للمثول أمام المجلس الإسلامي الأعلى في الحرم الشريف، وتغاضى المفتي عن حقيقة كونهما يهوديين ربما بسبب سمعتهما في حسن العمل والإتقان المتميز".

ولا شك أن المفتي كان يعلم بان أحدهما وهو كتنكا، كان يعمل في بناء فندق داود، الذي يشيده يهودا في نفس المنطقة، والذي لعب فيما بعد وكما رغب الذين بنوه، دورا هاما في تاريخ المدينة السياسي والثقافي، واصبح المكان المفضل لإقامة السياسيين والفنانين والصحافيين، من مختلف الجنسيات، ومن بنيهم عربا مثل المطربة اسمهان، وزينب الوكيل، زوجة الزعيم المصري النحاس باشا، وفي أروقة الفندق اتخذت قرارات سياسية مصيرية بشأن القدس وفلسطين.

ولا شك أيضا أن نوعا من التنافس والسباق ميز تلك الفترة بين الفندق الفلسطيني وفندق الملك داود اليهودي، وربما لهذا السبب وأسباب أخرى اشترط المفتي على المقاولين اليهوديين أن يتم إنهاء العمل خلال 13 شهرا، وان كل يوم تأخير يستوجب دفع غرامة، وان تكون الأفضلية في التشغيل للعمال العرب، والعمل سبعة أيام في الأسبوع، وإذا كان هناك اضطرارا ليوم عطلة فيجب أن يكون يوم جمعة.

وللدلالة على جديتها، استخدمت شركة المقاولات 600 من العمال، من بينهم 100 عامل يهودي عملوا في الأسمنت الحديد والخشب، بينما أنيطت للعمال العرب ما يتعلق بصناعة الحجارة المقدسية التي بني منها الفندق بالإضافة إلى أعمال البناء العادية.

وسط العواصف السياسية

ولم يركن الحاج أمين، إلى تعهدات شركة المقاولات بإنهاء العمل في الوقت المحدد، واولى أهمية شخصية وبالغة لأعمال البناء، وكان يحضر مرتين في الأسبوع إلى موقع البناء عند حفر الأساسيات، ثم بشكل يومي مع بدء التشييد.

وحسب رواية الصحافي الإسرائيلي فان علاقة وصفها بالجيدة والودية ربطت بين المفتي والمقاولين اليهوديين، رغم الغيوم السياسية الثقيلة التي كانت تخيم على فلسطين، في فترة اتضح فيما بعد كم كانت حرجة ومصيرية في تاريخها.

ولكن هذه العلاقة، حسب الصحافي الإسرائيلي لم تمنع المفتي بأمر "العمال العرب في موقع البناء بمغادرته والمشاركة في المظاهرات المناهضة لليهود في آب 1929 والتي نظمها المفتي نفسه، وأدت إلى مقتل نحو 150 يهوديا".

والإشارة هنا إلى ما عرف بانتفاضة البراق، نسبة إلى الانتفاضة الفلسطينية التي أشعلتها إجراءات اتخذها اليهود في ساحة الحائط الغربي للحرم القدسي الشريف الذي يطلق عليه اليهود حائط المبكى، ويسميه الفلسطينيون حائط البراق، واكد فيما بعد تقرير للجنة دولية أحقية الفلسطينيين بالحائط.

واستؤنف العمل في الفندق بعد عشرة أيام، وعلى الأرجح فان المفتي لم يكن يعلم بان أحد المقاولين وهو كتنكا كان عضوا في المنظمة الصهيونية المعروفة باسم الهاغناة، والتي كانت إلى حد ما المنظمة الصهيونية الوحيدة آنذاك التي تنفذ أعمالا إرهابية ضد الفلسطينيين.

وحسب رواية الصحافي الإسرائيلي فانه بالرغم من زيارة المفتي لموقع البناء مرتين في اليوم إلا أن كانتكا، بنى مخبأين سريين للأسلحة في المبنى.

ويتضح من سير العمل في بناء الفندق، أن الأحداث التي شهدتها فلسطين آنذاك، لم تؤثر على الفترة التي حددت لإنجازه، وفي يوم 22 كانون الأول (ديسمبر) 1929، انتهى العمل، وكتب على واجهة المبنى من الأعلى بحروف بارزة "مثلما بنى آباؤنا وفعلوا نبني ونفعل"، في إشارة واضحة إلى الاستمرارية والحفاظ على الهوية، ورأى البعض في هذا النقش الذي أمر به المفتي إشارة إلى التشابه المعماري بين هذا البناء والمباني الإسلامية في الوطن العربي والأندلس.

واصبح المبنى بشار له كأحد أهم المباني في المدينة المقدسة، ودعا المجلس الإسلامي الأعلى لحفل افتتاح له، حضره وجهاء وسياسيون واعيان من العرب واليهود والبريطانيين.

وتحول المبنى بطوابقه الأربعة إلى شاهد سياسي جديد، كما أراده المفتي، وتميز الفندق بفخامته، وضم 140 غرفة، 45 منها تشبه الأجنحة مع حمامات، وخصصت ثلاثة مصاعد لاستخدام النزلاء، تمتعوا بتدفئة الفندق المركزية في أيام الشتاء، وبالمطعم الفخم.

وكل هذه المزايا اعتبرت في حينها، نوعا من الرفاهية الفائقة، التي ميزت هذا الفندق الفلسطيني الذي لفت الانتباه بعمارته الإسلامية الواضحة، والذي شبهه البعض بقصر الحمراء في غرناطة.

واحتوى الطابق الأول على ممر طويل محاط بأعمدة على الجانبين، وسقف مقوس يفضي إلى الداخل المغطى بالسجاد الفاخر والنادر الذي كان يعطي مع الثريا الطويلة المعلقة في السقف رونقا مميزا، وتميز الشكل الخارجي للفندق بالنوافذ المقنطرة وبأحجاره وتصميمه الهندسي اللافت.

تحديات مستمرة

وتدل التطورات اللاحقة في تاريخ الفندق، أن المفتي والمجلس الأعلى الذي صرف ببذخ على البناء والتأثيث، لم يكن لديه الإمكانيات المالية لإدارته كفندق.

ومن المفارقات، أن الفندق الذي بني لأسباب سياسية وثقافية وحضارية في وجه المد اليهودي الصهيوني، اجره المفتي إلى المليونير اليهودي جورج بريسكي الذي كان يدير عدة فنادق في فلسطين، واصبح الفندق الذي حمل اسم بالاس، قبلة الزوار للمدينة المقدسة خصوصا العرب والمسلمين.

وواجه فندق بالاس تحديا جديدا وجديا عام 1931 عندما افتتح فندق الملك داود، ولم يستطع الفندق الفلسطيني مواجهة الفندق اليهودي الجديد، رغم أن الفندق الأول يديره شخص يهودي كفؤ، أو ربما كان ذلك أحد أسباب تضعضع الفندق الفلسطيني.

واضطر المجلس الإسلامي الأعلى في عام 1935 إلى إغلاق الفندق الأثير، واقتصار العمل على المطعم الفخم، وأجرت بعض الغرف بشكل شهري.

ولم يكن ذلك نهاية تقهقر الفندق، وكأن ما يحدث له يتناسب مع الأوضاع السياسية التي تتردى بالنسبة للفلسطينيين، ففي عام 1936، استولى البريطانيون على الفندق، وحولوه إلى مبنى خاص بهم، وفي نفس العام اتخذته لجنة بيل البريطانية التي وصلت فلسطين لتقرير مصير البلاد وتقسيمها بين العرب واليهود، مقرا لها في النهار تجمع المعلومات، وفي الليل ينام أعضاؤها في فندق الملك داود.

ولا توجد مصادر فلسطينية وعربية تولي أهمية لتاريخ هذا الفندق في هذه الفترة، ولكن لدى الجانب الآخر الإسرائيلي ما يقوله، وحسب الصحافي الإسرائيلي دورون جبيللر فان الهاجناة وبمساعدة المقاول كاتنكا تمكنت "من زرع ميكروفونات صغيرة جدا في الغرف التي كان البريطانيون يعقدون اجتماعاتهم السرية فيها" ووفقا لهذه الرواية فان الهاجناة بقيت "على اطلاع طوال الوقت على آخر الخطط البريطانية".

وتطورت الأوضاع في فلسطين بشكل سريع ودراماتيكي، واصبح الحاج أمين مطلوبا للبريطانيين وفر خارج البلاد، بينما وسعت العصابات الصهيونية، من عملها باستهداف مصالح بريطانية، خصوصا مع القرارات البريطانية بترشيد الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتحسبت بريطانيا وأغلقت مدخل الفندق لكونه اصبح مبنى حكوميا مهددا، وبقي مغلقا حتى الان.

وتم وضع أسلاك شائكة حول الفندق، للحيلولة دون وضع أفراد العصابات الصهيونية المتفجرات، وما زالت بقايا هذه الأسلاك موجودة.

وفي عام 1948، استولت الدولة التي نشأت لتوها وسميت إسرائيل على الفندق، وحولت قسما منه مقرا لوزارة التجارة والصناعة وهو الأمر المستمر حتى الان، ولكن هذا لا يمنع من حيرة إسرائيل حول هذا الفندق، لا تدري ماذا تفعل به، وقبل سنوات تم الموافقة على إضافة طابقين للبناء القديم، وتحويله إلى فندق من جديد مكون من 330 غرفة، ولكن المشروع لم ير النور، وكل فترة وأخرى تطرح أفكارا مثل هذه، كما يحدث هذه الأيام، وتستهدف هذا المبنى الذي يصفه الاثاري الإسرائيلي دافيد كروبنكر بأنه ذو قيمة معمارية وتاريخية كبيرة، منوها إلى زخارفه الحجرية التي تشكل أحد العناصر التي تضفي عليه خصوصيته المعمارية.

وفي كل مرة، تفشل الخطط الإسرائيلية حول المبنى، ويبقي على حاله، ربما ليكون شاهدا على تطورات مقبلة قد تعصف بالمدينة المقدسة، وفي هذه الأثناء، وكما يقول الصحافي جيللر يمر العديدون من الناس أمامه "بدون أن يفكروا فيه، وربما كان ذلك بسبب حجارته المقدسية التي كانت براقة في الماضي ولكنها فقدت بريقها على مدى السنوات نتيجة لعوامل الزمن وحركة السير وقلة العناية اللائقة، ولكن أحد المارة يقف أحيانا ليلقي نظرة إلى الأعلى، على واجهة البناية ليشعر بالدهشة وحتى بالصدمة عندما يرى كم هي جميلة".

ومن المؤكد أن الكثيرين يتفقون مع هذا الوصف.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف