إيلاف+

ايها الرجل.. إبك لأنك إنسان

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

سلوى اللوباني من القاهرة: لم نعتد كشعوب عربية رؤية دموع الرجال..الرؤساء..الحكام..فهي تعتبر دليل ضعف وقلة حيلة للرجل.. كما يرى البعض أنها إنتقاص من رجولته..تعود الرجل العربي أن يمنع دموعه فهو مقيد باطار مجتمعي يفرض عليه التماسك دائماً أمام الازمات..إطار مجتمع يقول له لا يليق بك أن تبكي أو أن تعبر عن مشاعرك علانية!!

مؤخراً انفجر بالبكاء الرئيس الافغاني "حامد قرضاي" خلال إلقائه خطاب حول حقوق الانسان لقلة حيلته وعدم قدرته على منع قوات التحالف الافغاني من قتل أطفال أفغان.. وقال وهو يمسح دموعه "أن الوحشية المفروضة على أبناء شعبه قد بلغت حداً لا يمكن وصفه أو إحتماله" وارتجفت شفتاه وتهدج صوته تأثراً بما وصل إليه الحال في أفغانستان..فالوحشية على أعلى مستوى. كما شاهدنا دموع رئيس وزراء لبنان "فؤاد السنيورة" أثناء خطابه المؤثر أمام وزراء الخارجية العرب في بيروت أثناء الحرب الاخيرة على لبنان.. بكى السنيورة ضحايا الحرب من الاطفال.. كما بكى بلده وأوصاله تتقطع..تهدج صوته بألم وحسرة على حال لبنان..دموعه هزتنا جميعاً بالرغم من أن البعض اعتبرها ولا يزال يعتبرها ضعفاً!! كما شاهدنا دموع الملك "عبد الله بن عبد العزيز" أثناء تسليمه على أطفال شهداء من رجال الامن في القصيم قضوا أثناء مكافحة الارهاب.

هذه الدموع حفزت الكثير من الاقلام للكتابة..البعض امتدحها والبعض الاخر اعتبرها تمثيلاً وضعفاً...وبغض النظر عن بعض الآراء نقول أن البكاء ليس عاراً... البكاء تعبير صادق عن المشاعر الانسانية. وعندما يبكي الرجل أمام الملأ فهذه شجاعة لانه خلص نفسه من كل الاقنعة التي يرسمها له المجتمع.. عندما يبكي الرجل أمام الملأ فهذه قمة في الانسانية... البكاء هو قمة النضج النفسي..ومن حق الرجل أن يبكي لانه إنسان.

ويقول د. "محمد السقا عيد" إخصائي جراحة العيون في دراسة حديثة له أن البكاء عرف منذ قديم الزمن في الافراح والاحزان. وهو شائع في مختلف الاعمار. البكاء من أكثر الدلالات لكشف التعابير الانسانية. البكاء عملية طبيعية لانفعالاتنا النفسية. البكاء يريح النفس ويخلص الجسم من الكيماويات السامة ويغسل العين، البكاء يوسع الرئة ويهدئ المزاج ويزيد من عدد ضربات القلب كما يعد تمريناً مفيداً لعضلات الصدر. وعند الانتهاء من البكاء يعود القلب الى حالته الطبيعية وتسترخي عضلات الصدر. وأما كبت هذه الدموع يؤدي الى أمراض منها قرحة المعدة، القلب، الضغط، إصابة في الجهاز التنفسي. كما أشار في دراسته أن من لا يعرف الدموع لا يعرف الرحمة.. ومن لا يبكي فهو حقاً يعاني من ظاهرة مرضية..ومن لا يبكي يجهل معنى الدموع... ويعتبر أن الدموع أحياناً أقوى من أي تعبير أو كلام.

وفي مقال للكاتب الصحفي "أنيس منصور" بعنوان "البكاء يطيل العمر" يقول أن الرجل يغلي من الداخل ولا يعرف كيف يبكي. هموم الرجال تقتلهم وهموم النساء تريحهن وتعطيهن خبرة وقدرة على تحمل هموم أخرى أكبر. وقد يموت الرجل من هم واحد ينفجر في داخله ولا تموت المرأة من عشرات الهموم لانها تبكي.. لانها تريح أعصابها أولاً بأول.

فهل يحق للرجل البكاء... وهل يحق للرؤساء البكاء؟ لنقرأ آراء بعض المثقفين في دموع وبكاء الرجل...

د. عبد الهادي مصباح
في الحقيقة إن موضوع بكاء الرجال وخاصة الزعماء والقادةأخذ شكل الضعف في موروثاتنا الثقافية- خاصة العربية -، ومن وجهة نظري الشخصية أننا لا ينبغي أن ننظر إلى الأمور بهذا الشكل، فالضحك والبكاء هما مرآة للشعور الوجداني الداخلي الذي ينبغي ألا يكبح جماحه من أجل سلامة النفس البشرية وصحتها، وهما هبة منحنا الله إياها لضبط إيقاع النفس البشرية، وما يواجهها من انفعالات، وتحكم الرجال في مسألة بكائهم أثناء الأحداث الجسام إنما يختلف من شخص إلى آخر حسب طبيعة شخصيته ورقة أحاسيسه، فمن الذي استطاع أن يمنع دموعه حين شاهدعلى شاشات التليفزيون "محمد الدرة" حين قتل في حضن أبيه، ومذابح الأطفال فيلبنان وفلسطين والعراق، ولنتذكر معاً عمر بن الخطاب الخليفة العادل القوي الشكيمة عندما كان يبكي إذا اكتشف أن أسرة من رعاياه تبيت الليل دون عشاء وكان على الرغم من شهرته بالقوة والحسم، إلا أنه كان من أرق الناس مع الضعفاء والمظلومين، كما بكى الرسول صلى الله عليه وسلم عندما توفي ابنه إبراهيم، إلا أن البكاء لا يجعلنا نتصرف بانفلات أو انفعال، فعندما غابت الشمس بعد دفن إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وسلم ظن البعض أنها كسفت حزناً على موته، ولكن الرسول لم يقبل هذا التفسير، وخرج من حزنه وبكائه وصحح لهم الأوضاع في الحال وقال لهم إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسان لموت أحد.والخلاصة أن الإنسان يمكن أن يتعرض لظروف أكبر من قدرته على الاحتمال فيمكنه أن يبكي، لكن دون قول ما لا يجاز قوله أو التصرف بشكل انفعالي قد يضر أكثر مما ينفع، ولننظر إلى كل هؤلاء الزعماء كبشر لديهم نفس نقط الضعف والقوة الموجودة في كل البشر.

الناشرة سوسن بشير
حين كنت طفلة ضربت زميلي في اللعب، وكان طفل الجيران، فبكى، وسمعت أمه تقول بلهجة جادة مخاطبة إياه " بس يا ولد، إنت حتبقى راجل والراجل ميعيطش"...وهذا ما اعتاد عليه الرجل العربي، عودته أمه ومن قبلها المجتمع الذكوري العربي ألا يبكي نتاج ألم أو غضب أو ذل أو إنكسار شخصي. لكن قائمة موانع الدموعفي مجتمعاتنا طالت حتى المشاعر الآدمية الطبيعية التيتدمع عينا الإنسان، أي إنسان لأجلها، ذكراً كان أم أنثى، من أي عرق ولون ودين وعمر ومنصب. فعلينا أن نحمد الله كثيراًلأن في بلادنا العربية والإسلامية اليوم ملوكاً وروساء لا يمنعهم الكبرياء من ذرف الدمع، لا لإنكسار شخصي، بل لإنكسار المجتمعات العربية والإسلامية سواء أفراداً أو جماعات، ووقوعها ضحية حروب مرئية مع الأعداء وخفية مع الإرهاب، وقبل الخفي والمرئي، ضحية القهر والحرمان.

الاعلامي صالح زيتون
لم يجترح الخالق سبحانه وتعالى عبثاً خاصية البكاء لدى الانسان العاقل حصراً دون سائر مخلوقاته ذلك لانها جزء أساسي من التركيبة الانسانية سواء الفسيولوجية أو السيكولوجية وهذا ثمين بألايحصر البكاءبأي من جنسي البشر الذكور أو الاناث.مع أنه درج الانطباع بأن دموع المرأة أغزر في الانهمار إلا أن ذلك لا يجرد الرجل من إحساسه الفطري بالحزن أو التأثر أو الفجيعة، وتحديداً على الاعزاء الذين يفتقدهم فجأة من حياته وقد كانوا من أبرز مكوناتها إلا أن الفجيعة تكون أكبر حينما تتعلق بموقف صادم وهو ما يهز الرجل ولا خطأ أن تهتز لديه المشاعر ويسجل على نفسه ضعفاً إنسانياً مطلوباً لتأكيد إنسانيته. والمسألة هنا تتعلق بفجيعة كل منا على حدة والى أي مدى تصيب سهامها صميم القلب حتى ينزف وتستحق أن تهرق لها الدموع الصامته أو أن يجهش أحدنا بالبكاء الصارخ تعبيراً حارقاً لمدى قسوتها، وبطبعي الانساني لا أرى حرجاً بالبكاء الرجولي ولكن المسألة تتعلق باستخداماته. وهي بالقطع لا تتوازى بالحجم مع دموع المرأة، ولكن لأن دموع الرجل عزيزة وغالية فلا أتصورها صادقة ومعبرة إلا في المواقف الصعبة. وأنا شخصياً بكيت مرات محدودة في حياتي بكل حرقة اثنتان منهما على المرحومين. والدي الذي قضى مبكراً في شرخ شبابه ووالدتي التى لم أتمكن من حضور جنازتها لاعتبارات جغرافية رحمهما الله.أما عدا ذلك فليس هناك كثير من الاشياء والاشخاص من أو ما يستحق أن تبكي من أجله اللهم إلا إذا كان الامر متعلقاً بصدمة في صديق. أما الفشل العابر فلا يستحق البكاء من الرجل لانه ينبغي أن يكون منعطف تحول نحو طموح جديد يحقق الذات في مستقبل الايام. أما السياسيون الرجال ودون تحديد أي منهم بالاسم فلا أثق في دموعهم وهي جزء من المشهد السياسي المضلل للرأي العام مهما بلغت انسانيتها ولذا أراها أقرب الى دموع التماسيح. وعموماً لا أجد حرجاً في دعوة الرجال الى البكاء حين يواجه المرء منا موقفاً صعباً فالدموع ميزة ربانية منحها الله للانسان تحديداً ليثبت إنسانيته. فلا تترددوا معشر الرجال في التعبير بدمعة صادقة حين تهب عواصف الحياة حتى نؤكد رجولتنا وإنسانيتنا ولا نجعل هذه الميزة حكراً على النساء وإن كنا نترك لهن المجال رحباً لاهراق الدموع في كل مناسبة ولكل غاية.

الروائي محمد العشري
الرجل، ذلك الجبل الشاهق، تدمع عيناه عندما تصطدم به سحابة عابرة، يهتز حين تتحرك داخله المشاعر الإنسانية، ينكمش ليصبح في منتهى الرقة.. هكذا أرى الرجل، كائناً ضعيفاً في نبله الإنساني المجرد، بعيداً عن تجبره، وتسلطه، وكبريائه. يستوى في ذلك كل الرجال، مرهفي الحس، ملوكاً وصعاليك.. الفرق أن الرجل في السلطة - خاصة في عالمنا العربي- لا تكون دموعه خالصة لإنسانيته، لكن يشوبها حرصه على المقعد، ورغبته في الإستمرار في الحكم إلى أن يموت، أو يموت من أجل ذلك المنصب، أو يموت كل شعبه، لا فرق. دموع الرجال بشكل عام عزيزة، وإن أتت فهى نابعة من لحظات تأثر عالية، تضعف معها سبل مقاومة سيلها الجارف.. وإن استسلم لها الرؤساء ستكون نقطة تحول كبيرة في اهتمامهم بحياة وحرية رعايهم وشعوبهم، لكن للأسف، هى لحظات عابرة ينتهي مفعولها، دون أن تترك شيئاً في طريقة حكمهم.. هنيئاً لرجل تغليه الدموع من وقت لآخر، لتطهره، وتنقذه من التمادي في خطاياه.

عزيزي الرجل..وإن اختلفت الآراء....إبك..إبك لانك انسان... لان لديك مشاعر وأحاسيس
إبك لانك تعبر عن إنفعالاتك...

salwalubani@hotmail.com

التحقيق منشور في ايلاف دجتال يوم الخميس 28 ديسمبر 2006

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف