الختمة القرآنية في المغرب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
احتفاء بتحصيل العلم
الزبير مهداد من المغرب: تشرف السنة الدراسية على الانتهاء في دول كثيرة، وتعد المناسبة فرصة للاحتفال، بحيث تحتفي المؤسسات بتخريج أفواج من المتعلمين حملة الشهادات، كما تكرم أبناءها الناجحين الفائزين بالشهادات علامات التميز. وبرغم ما تكتسيه هذه الحفلات من مظاهر الأبهة والترف أو البساطة والتواضع بحسب الجهات التي تقيمها وسعة حالها، فإنها في كل الأحوال تعتبر أعيادا للعلم وحفلات تربوية وثقافية تستمد جذورها من عمق التراث العربي الغني وأصالة تقاليد هذه الأمة.سنستعرض هنا تقاليد الاحتفال بالنجاح وبتحصيل العلم في تراثنا العربي.
الاحتفال بختم الطفل القرآن
طلب العلم كان يبدأ في العادة في المرحلة التي نطلق عليها بلغة العصر مرحلة الطفولة المتأخرة التي تبدأ في الغالب في السن السادسة أو السابعة، ففي هذه السن يكون الطفل قادرا على (التحمل) أي تلقي العلم وسماعه وأخذه عن الشيخ ووعيه.
ويشرع الطفل عند انخراطه في المكتب في حفظ سور القرآن الكريم وتعلم الهجاء، حتى يحذق هذه الأمور، ولا يأتي عليه سن البلوغ حتى يكون قد حذق القرآن وقواعد اللغة والحساب، وحفظ أهم المتون والنصوص الأساسية التي تؤهله
كان الصبيان في المكتب يحتفلون بعدة مناسبات، وأهم هذه المناسبات الختمة؛ وهي الحفل الذي يقام بمناسبة إتمام أحد الصبية حفظ القرآن الكريم كله أو بعضه، والذي ظل تقليدا متوارثا قائما في البلاد العربية إلى عصر متأخر، وكانت هناك ختمتان، واحدة صغرى والأخرى كبرى. فالصغرى هي الاحتفال بحفظ سورة البقرة، وعن هذا التقليد يروي الشيخ القرضاوي قائلا: (وعندما ختمت البقرة أقام الكتاب حفلا صغيرا بهذه المناسبة، وزعنا بعض الحلوى، على الأولاد في الكتاب، ومن حضر من الأقارب فقد كان أهل القرية يسمون ختمة سورة البقرة (الختمة الصغيرة) وختم القرآن كله (الختمة الكبيرة)..
أحيانا كان يقام الحفل في منزل الصبي، خاصة إذا كان ميسور الحال، ويسمى الحفل في المغرب "جايبوه" ويحضره أصدقاء الطفل وأقاربه وينشد الحاضرون في الحفل جماعة وبإيقاع خاص القصيدة التي مطلعها:
جايبوه جايبوه يا فرحة يماه وبوه
أما الختمة الكبرى فحين يحفظ الصبي القرآن كله؛ وتسمى في بلاد الخليج العربي (التحميدة) وتتعطل الدراسة بالمكتب، يطوف صبيان المكتب بالحي رفقة معلمهم يجمعون الأعطيات التي تغطي نفقات الحفل، ويرددون أبياتا من الشعر تتغنى بحمد الله على نعمة الإسلام وتمتدح حافظ القرآن وشيخه وتستحث همم الناس على البذل والعطاء إكراما للطلبة ولخاتم القرآن، ويردد الصبيان والناس لفظ آمين بعد كل شطر منها، لذلك يطلق عليها أيضا لفظ (التومينة):
الحمد لله الذي هدانا (آمين) للدين والإسلام واجتبانا (آمين)
سبحانه من خالق سبحانه بفضله علمنا القرآنــــــــــا
نحمده وحقه أن يحمداما ظهر الزهر وما طاح الندى
ثم الصلاة كلما الحادي حداعلى النبي الهاشمي محمدا
هذا غلام قد قرأ وقد كتبوقد تعلم الرسائل والخطب
ولا تقصّر يا ابن أشراف العربواطرح على اللوح دراهم وذهب
ولا يكن طرفك همٌ وغضبفالله يعطي ثم يمنح ويهب
علمني معلم ما قصّرارددني في درسه وكررا
إني تعلمت كتاباً أكــبرا حتى قرأت مثله كما قرا
جزاك الله يا والدي الجناناوشيد الله لك البنيانا
الجد والجدة لا تنساهما فعند ربي جزاهما
في جنة الخلد مع الولدانا
في بلاد أخرى كالعراق ومصر والمغرب توارث الناس طقوسا أخرى ومظاهر احتفالية مختلفة عن هذه، يحتفى بالطفل حافظ القرآن احتفاء وتقام له زفة تشبه زفة العرس وتسمى زفة الخاتم، ويعد لها إعدادا من قبل المعلم وأهل الطالب إذ يزين المعلم لوح التلميذ الذي ختم القرآن برسوم وزخارف جميلة، وبعض الآيات الكريمة من القرآن، وهي في الغالب آية الكرسي لما لها من الاعتبار في الوجدان الشعبي.
يحمل الصبي هذا اللوح إلى منزله، ممتطيا صهوة فرس مطهم معد خصيصا للمناسبة؛ وهذا الموكب يتألف من الصبيان رفاق خاتم القرآن لابسين أبهى ما لديهم من لباس، يحملون الأعلام، مصحوبين بالفرق الموسيقية وقارعي الطبول الذين يرقص الصبيان على نغمات قرعهم وعزفهم في مظهر احتفالي نادر، وأحيانا يكون في طليعة الموكب قاضي البلد والعلماء والفقهاء وعلية القوم وكبار الطلبة يطوف بأحياء وأزقة المدينة، ويختمون جولتهم بالتوقف في دار الصبي خاتم القرآن، حيث ينتظرهم حفل كبير يدعى له الأقارب والجيران ومؤدب المكتب وصبيانه وأهل المحتفى به، وتقام الولائم احتفاء بهذا الحدث العلمي السعيد في الأسرة، ينشط الحفل المقرئون والمادحون والمسمعون وأهل الفضل فيتلى فيها القرآن وتنشد قصائد المديح النبوي والابتهالات(1)، وجرى التقليد أن تنشد في الحفل في بلاد المغرب قصيدة "احبيبنا" التي مطلعها:
احبيبنا يا محمد الصلاة على محمد
وعند نهاية الحفل ينثر المدعوون القطع النقدية على لوح الطالب المزخرف خصيصا للمناسبة، يتبرع المدعوون بتلك النقود إكراما لمعلم الصبي الذي أشرف على تلقينه القرآن الكريم وتحذيقه.
ومن لطيف ما ذكره بعض المؤرخين أن حاكم مدينة فاس في عصر بني مرين هو الذي كان يتكلف بتوفير الحصان واللباس للصبيان الذين ختموا القرآن، إذ يعيره لهم خلال احتفالهم بختم القرآن تخفيفا عنهم من عناء الشراء.
وكثيرا ما كانت تثير مظاهر الاحتفاء بالصبي معارضة بعض المحافظين لما كان يحاط به الصبي من مظاهر الزينة مما يتنافى أحيانا مع الشرع ولا يجد له سندا في السنة. وكان الفقهاء لا يتنكرون لعملية تكريم حافظ القرآن التي ترسخت في التقاليد التعليمية منذ القرون الأولى، فهم يجيزونها اعتبارا لآثارها التربوية ويحبذونها لقيمة تأثيرها على الصبي وحفزه على بذل الجهد والاجتهاد لحفظ القرآن الكريم (أما تزويق الألواح في الإصرافات والأعياد في بعض البلاد، فهو من باب المباح الجائز، وفيه إدخال السرور على الأولاد وهذا فيه من الأجر ما قد علم، وفيه التنشيط للصبيان على الاعتناء بالمواظبة على القراءة)(2)
لكن كان منهم من يرفض بعض مظاهر الاحتفال المصاحبة لمناسبة الختم، ومن ذلك ما نقرأه في كتاب المدخل لابن الحاج العبدري وهي كما يذكرها: تزيين المكتب أرضا وحيطانا وسقفا، بقطع الحرير المزخرفة المزينة برسوم نباتية أو حيوانية(3)؛ وإعداد لوح الإطرافة إعدادا خاصا بحيث يجعلونه مكفتا بالفضة في خرقة من حرير(4)؛ ويحمل الصبي المحتفى به فيزينونه، ويحففونه، ويخططونه، ويلبسونه الحرير ويحلونه بالقلائد من الذهب وغيره مع قلائد العقيق، ويركبونه على فرس أو بغلة مزينة باللباس مع الحرير والذهب، يجعلون عليها كنبوشا(5) من الحرير المزركش بالذهب ويلبسون وجهها وجها من الذهب(6). يحملون أمامه أطباقا فيها ثياب من حرير وعمائم معممة على صفة؛ يمشي بين يديه صبيان المكتب وينشدون في طريقه إلى أن يوصلوه إلى بيته، مارين بأسواق المدينة وأزقتها ومنهم من يضيف إلى ذلك القراء يقرأون كتاب الله بين يديه ثم يضيفون إليه المكبرين والمؤذنين على عادتهم في الجنائز؛ منهم من يضرب بين يديه بالطبل والبوق، وبعضهم يمشي الفيل والزرافة بين يديه مع رمي النقط؛ وبعضهم يمشي بين يديه المغنية وطائفتها مكشوفة على ما يعهد من حالها مع ضرب الطار والشبابة والغناء وترفع عقيرتها على ما يعهد من فتنتها؛ عند وصول الموكب إلى منزل الصبي المحتفى به، يدخل المؤدب ويعطي اللوح المزين لأم الصبي أو خالته أو عمته أو غيرهما من أقارب الولد ومعارفه حتى تنقط كل واحدة منهم من الفضة ما أمكنها، إكراما لمؤدب الصبي(7). ويمكننا مقارنة ما سجله ابن الحاج بما ورد في مذكرات السيد محمد عبد الرزاق القشعمي من عصرنا الحديث، حيث ذكر أنه عند ختم الطالب المصحف يدعو والده المطوع (معلم المكتب) وجميع الطلاب لحضور حفل يقام بمنزلهم وله مراسم محددة، فيلبس الطلاب أفضل ما لديهم من ملابس يحضر التلميذ خاتم القرآن المحتفى به مع والده أو أكبر إخوته وهو يركب حصاناً ويتقلد سيفاً، يسير بجانبه المطوع ويليه الطلاب ينطلقون في مسيرة عبر شوارع وأزقة المدينة نحو منزل التلميذ المحتفى به، يقرأ الشيخ الذي يسير بجوار التلميذ الممتطي صهوة حصانه دعاء ختم القرآن والطلاب من خلفه يرددون: آمين عند توقف المطوع عند كل قراءة دعاء، وهو يردده حتى وصولهم إلى المنزل المقام به الحفلة فيهتف الطلاب القرَّاية بصوت واحد اشتروه وإلا كسرنا عصه وفي العاير نلصه فيرد أهله عليهم شريناه.. شريناه.. فيدخلون، حيث يستقبلهم والده وأعمامه ومجموعة من الأقارب وقد فرش وسط المنزل ويقدم لهم القهوة والشاي بعد أن يمتدح المطوع ابنهم فيقدم لهم الغداء وهو عبارة عن صحون كبيرة مليئة بالأرز واللحم فيودعون ليعودوا لمدرستهم مرة أخرى، أو يعتبر هذا اليوم رخصة عطلة لهم عن الدراسة(8) .
إنها مظاهر احتفاء تدل على الأهمية التي توليها الأسرة لختم الصبي للقرآن، وعلى المكانة التي يحظى بها التعليم، وكانت الختمة بمثابة احتفاء بالعلم، والعناية بطقوس الفرجة الفنية وشروطها؛ إلا أننا نعتقد أن هذا لم يكن أمرا متاحا لجميع الأسر، ففي القرى والأوساط الفقيرة كان يكتفى بمظاهر احتفالية بسيطة في غالب الأحيان، لكن ابن الحاج وغيره من مثقفي العصور والمؤرخين سجلوا لنا بأمانة مظاهر احتفاء تبقى شاهدة على صفحات مضيئة من صفحات مدنيتنا التعليمية.
هوامش
1- الحياة السياسية بشفشاون، العافية ص 182
2-ابن الحاج المرجع نفسه جزء 2 ص 331
3- ابن الحاج المرجع نفسه جزء 2 ص 331
4- ابن الحاج المرجع نفسه جزء 2 ص 332
5- الكنبوش برذعة تجعل تحت سرج الفرس
6- ابن الحاج المرجع نفسه جزء 2 ص 332
7- ابن الحاج المرجع نفسه الجزء 2 صفحات 331 إلى 333
8- محمد عبد الرزاق القشعمي، صحيفة الجزيرة: الثقافية، 22 محرم 1421