المغاربيون يعانون من الإرث الثقافي للاستعمار الفرنسي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
لهجات تطغى عليها الفرنسية والأمازيغية.... بينما الكلمات العربيـة قليلة
سكينة اصنيب من نواكشوط: "لم نعد نعلم ما إذا كنا أمازيغ (بربر) أم عرباً أم أوروبيين أم فرنسيين" بهذه الجملة اختصر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة حالة الهوية الجزائرية متهما الاستعمار الفرنسي الذي حكم الجزائر بين عامي 1830 و1962 بتنفيذ عملية إبادة لهوية البلاد وتاريخها ولغتها وتقاليدها. والجزائر بهذا الوصف ليست أفضل حالا من المغرب وتونس وموريتانيا وهي المستعمرات الفرنسية السابقة حيث تأثرت هوية البلدان المغاربية بالإرث الاستعماري الثقيل لا سيما اللغة العربية واللهجات المحلية العصية على الفهم في المشرق العربي.
ففي المغرب تراجع مكانة اللغة العربية مع دخول الحماية الفرنسية حيث جعل المستعمر من اللغة الفرنسية اللغة الرسمية الوحيدة طيلة فترة الحماية (1912-1956) وأبعد اللغة العربية مما أبقاها في حالة من الجمود، كما أنه لم يحترم البنيات التقليدية والشخصية الحضارية والتاريخية للمغاربة، وبالمقابل استخدمت اللغة الفرنسية كأداة للإدارة والتواصل في جميع المؤسسات بكيفية كانت من القوة بحيث وجد المغرب نفسه غداة الاستقلال أمام لغة فرنسية قوية ومهيمنة تكاد تحتكر جميع مظاهر الحياة اليومية. وبعد خروج الاستعمار بدأت اللغة العربية تأخذ مكانتها تدريجيا بعد تعريب الإدارة والتعليم وتصبح عاملا أساسيا لتجانس الثقافة العربية بالمغرب.
وقد ساهمت الفتوحات الإسلامية في القرن الثامن الميلادي في تعريب المناطق الحضرية بالمغرب فيما ظلت المناطق الجبلية، إلى أيامنا هذه، تتكلم الأمازيغية التي تختلف جذريا عن العربية بكونها كانت شفهية أساسا ولا تستفيد من أي كتابة الى حد قريب، الى أن تم اختيار حرف "تيفيناغ" القديم من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالمغرب كمثن كتابي، وتتوزع اللهجات الأمازيغية في المغرب على النحو التالي: تشلحيت في الجنوب (الأطلس الكبير)، وتمازيغت في الأطلس المتوسط، وتريفيت في الريف.
وفي المناطق الشمالية والجنوبية للبلاد يتحدث الناس اللغة الاسبانية بكثرة بسبب الاستعمار الاسباني الذي خضعت له هذه المناطق منذ سنة 1885، حيث فرض التواجد الاسباني في الثغور الشمالية والمناطق الجنوبية التعامل باللغة الاسبانية وبخروج اسبانيا تم الحد من هيمنة اللغة الاسبانية في المغرب لكن انتشارها في المناطق الشمالية والجنوبية التي كانت تحت سيطرة الاستعمار الاسباني مازال مهما.
وقد دخل في لهجات المغرب العربي بعض الكلمات الأمازيغية، وهناك العديد من الاستعارات الحديثة، سواء المكتوبة أم المحكية، من اللغات الأوربية تعبِّر عن المفاهيم التي لم تكن موجودةً في اللغة سابقا، مثل المصطلحات السياسية (الإمبريالية، الإيديولوجيا)، أو في مجال العلوم والفنون (رومانسية، فلسفة) أو التقنيات (باص، راديو، تلفون، كمبيوتر، إلخ.). إلاّ أن ظاهرة الاستعارة هذه ليست حديثة العهد، حيث قامت اللغة العربية باستعارة المفردات من اللغات المجاورة.
وفي الجزائر يشكل العرب أغلب السكان فبعد أن فتحوا شمال إفريقيا، وحرروا البربر من الاحتلال الروماني، دحرت قبائل بني هلال وبني سليم بربر زناتة شيئا فشيئا نحو الغرب. فتقلص وجود البربر بالجزائر بينما ظل بربر صنهاجة وزناتة طيلة قرون يأكل بعضهم بعضا حتى كادوا ان يبيدوا، بالمقابل تدفق على الجزائر مئات الآلاف من عرب الأندلس ضاقت بهم مدن: الجزائر، مستغانم، تلمسان، وهران، وغيرها حتى اضطر العرب الأندلسيين لتشييد مدن جديدة كمدينة البليدة ومدينة القليعة.
ويشكل البربر حوالي 20% من السكان يتمركزون في مناطق محددة: القبائل، الأوراس، الهقار ووادي ميزاب. ويعيش حوالي 90% من الجزائريين في الشمال، في المناطق الساحلية كما يوجد حوالي 1.5 ملايين نسمة يعيشون في المناطق الصحرواية الجنوبية. بالاضافة الى اقلية عرقية تتواجد في الجزائر هي الأتراك الذين لا يعترف بهم كأقلية في الجزائر ويتواجدون كعائلات مشتتة في الجزائر كما أنهم يتواجدون بكثرة في بلدية المدية وتلمسان.
وترك هذا التعدد العرقي أثرا بالغا على لهجات البلاد ورغم أن اللغة الرسمية هي العربية، فإن، 80 % من الجزائريين يتحدثون باللهجة الجزائرية أو الدارجة، وتختلف هذه اللهجة نظرا لاتساع رقعة البلاد، فيستعمل سكان العاصمة والمدن الكبرى لهجة تختلط فيها العربية بالفرنسية بنسبة كبيرة، فيما يحافظ سكان المناطق الداخلية والصحراء على لهجتهم العربية الأصيلة.
ويتكلم باقي السكان (20 % على الأقل) لهجات بربرية متعددة، ويتركز أهلها في منطقة القبائل (اللهجة القبائلية) والأوراس (الشاوية) في الشمال الشرقي، وادي ميزاب (المزابية) وتمنراست (الطرقية لغة الطوارق) في الجنوب، بالإضافة إلى مجموعات صغيرة في مناطق متفرقة من البلاد. ويجيد غالبية البربر التحدث باللغة العربية، بالإضافة إلى اللغة الفرنسية (أهل القبائل بالخصوص).
وإلى جانب اللغة العربية يتم تداول اللغة الفرنسية بشكل واسع في الإدارات العمومية والهيئات الحكومية، وهذا راجع لسيطرة الجيل القديم الذي تعلم في عهد الاحتلال الفرنسي على المناصب الحساسة في الدولة وهيئاتها.
وفي تونس كانت المناطق الداخلية التونسية مأهولة قديما بقبائل بربرية، أما الساحل التونسي فقد قطنه الفينيقيين الذين هاجروا من ساحل المتوسط الغربي بدءا من القرن العاشر قبل الميلاد. وفي القرن السادس قبل الميلاد صعد نجم قرطاج كدولة ذات قوة ومكانة على المتوسط، واستمرت قرطاج حتى سقوطها بيد الرومان في القرن الثاني قبل الميلاد.
وفي القرن الخامس بعد الميلاد أصبحت تونس في قبضة الفانداليين ومن ثم تحت سيطرة البيزنطيين في القرن السادس للميلاد. ودخل العرب المسلمون تونس في القرن السابع للميلاد، مؤسسين مدينة القيروان فيها جاعليها مركزا لهم في تونس. واستمر حكم الولاة المسلمين وسط اضطرابات متقطعة نتيجة تمردات البربر، وقد تأثرت كثيرا تونس بهذا التنوع العرقي.
وتخوض بعض هيئات المجتمع المدني في الدول المغاربية حربا ضروسا من أجل تدريس "اللغات الوطنية وتطويرها والعمل على ترسيمها بهدف تحقيق استقلالية ثقافية حقيقية من خلال تعليم موحد يراعي خصوصيات المحيط الاجتماعي والاقتصادي والمشاغل التنموية ويتطلع إلى المستقبل من خلال تدعيم التعليم العلمي والتقني والمهني". كما جاء في البيان التأسيسي لإحدى التشكيلات الحزبية في موريتانيا. بينما تهتم الدولة بتدعيم المكاسب التي أحرزتها اللغة العربية كلغة رسمية والأخذ باللغة الفرنسية كلغة انفتاح.
ولا يتكلم الموريتانيون الامازيغية لكن الزنوج منهم يتكلمون ثلاثة لغات هي: البولارية، والسنونكية، الولفية نسبة الى أعراق الزنوج (فولان، سوانك، ولوف) الذين دخلوا موريتانيا للعمل. ويستوطن الزنوج الجنوب الموريتاني عند الحدود مع السنيغال، ويجمعهم رغم اختلافهم الإثني، الإسلام وخصوصا المذهب المالكي وكذلك الطرق الصوفية.
ويعتبر بعض الباحثين اللهجة الحسانية التي يتكلمها عرب موريتانيا أقرب لهجات العرب الى اللغة العربية، إلا أن هذه اللهجة تأثرت كثيرا بالموروث عن الاستعمار الفرنسي الذي استمر من عام 1902 إلى 1960.