إيلاف+

سجن ايفين ظلام الاعتقال وحفاوة الحرية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

خسرو علي أكبر من طهران: على الجانب الأيسر من الطريق من ميدان تجريش الى قرية دركة التي تحولت الى مصيف سياحي في السنوات الأخيرة ، ثمة واد شاسع مضلل بالأشجار هو في حقيقة الأمر احدى الساحات التابعة لسجن ايفين ، سجن غامض يتراوح على الدوام بين الصورة التي رسمها له المعارضون ، وبين الصورة التي تصر الحكومة الايرانية أن تقدمها عنه ، سجن يضم شخصيات سياسية من تيارات مختلفة مثلما يضم في زنزاناته مجرمين ارتكبوا جرائم فظيعة ضد أناس أبرياء بذرائع سياسية تافهة ، بالاضافة الى قسم مخصص للنساء وهو في جميع الأحوال السجن الأكثر شهرة في ايران ، وربما كانت هذه من ايجابياته رغم قناعتي التامة ان لا ايجابية للسجون ولكن من باب المقارنة فقط بالسجون السرية .

ثمة أنظمة تفضل المقابر الجماعية على السجون والتخلص من المعارضة عن طريق التصفيات الجسدية السرية ، وثمة أنظمة ترجح إقامة سجون سرية لاتترك أثرا على الخارطة ، وهناك أنظمة تتيح للصحافة أن تلتقط صورا لبوابات سجونها حيث الحد الهائل بين الحرية ونقيضها البشع ، لايستطيع الموتى العودة الى الحياة ، فيما يتحول الأمل في الحرية الى أخطر وأثقل هاجس للسجين ، وقد لا تكون الفترة التي يستغرقها السجين من لحظة اعتقاله الى زجه في السجن شاقة وقاسية ان كان معصوب العينين او في حالة غيبوبة ، لكن أن يساق المرء من بيته الى السجن بعينين مفتوحتين وبصمت مفروض عليه ،فهنا ثمة إجهاد غير مطاق للذاكرة .

تقول الايرانية من أصل أميركي هاله اسفندياري في حوار متلفز معها بعد اطلاق سراحها ، ومن أما البوابة الرئيسية للسجن ، لقد عاملني السجانون بأدب واحترام وقدموا لي الخدمات الممتازة بما فيها أنواع الفواكه ، ولكن هل للأشياء ذات المذاق في السجن ؟

السجان قادر على الاستمتاع بتدخين سيجارة فاخرة في السجن او الاستماع لمعزوفة كلاسيكية ،ولكن هل هناك ما يوفر المتعة للسجين ؟

"كان الاحتفال بالأعياد الدينية أو الوطنية يسهم كثيرا في تحسين الجو عندنا في القسم ، ...كان وجود شعراء ومغنين وفنانين آخرين بيننا يجعل هذه الاحتفالات متنوعة للغاية بحيث ان حراس الثورة كانوا يفضلون حضورها أكثر مما يفضلون الذهاب الى الصالة الكبيرة في ايفين حيث تنظم ادارة السجن على طريقتها وبحضور آلاف المعتقلين ، احتفالات أكثر رسمية "

لعل هذا الاقتباس من كتاب من بلاط الشاه الى سجون الثورة للمفكر وعالم الاجتماع الايراني البرفسور احسان نراقي يشير الى تلك المتعة المشتركة الزائفة التي تجمع السجين والسجان .

"كان المدعي العام للمحكمة والرئيس المخيف لايفين لازوردي بشخصه ، يستقبل جماعات المعتقلين ويجلسهم واحدا واحدا على المقاعد ، كان يقوم بهذا العمل بلباقة وتودد مميزين ، وكان الأمر يتعلق باحتفال تقليدي كان يجري احياؤه سابقا في أحياء طهران الجنوبية ، كان مظهر لازوردي المحتشم والمتواضع يغرق المعتقلين في حيرة عظيمة .في مثل هذه الظروف يصعب على المرء أن الرجل نفسه نفّذ لبضع ساعات خلت حكم الاعدام بعشرين أو اربعين أو بثمانين معتقلا أحيانا".

وشهادة نراقي تعود بالطبع الى السنوات الاولى من انتصار الثورة الايرانية حيث احتدم الصراع بين الاسلاميين المعروفين بخط الامام الخميني وبين جماعة فدائيي خلق الارهابية ، وايفين حسب شهادة نراقي كان محلا لتغيير المعتقد الاديولوجي "خلال السهرة التي حضرتها ، لاحظت كم أن الجو كان آسرا حين وقف آلاف المعتقلين ومئات الحرس المبعثرين بين الحضور ولازوردي نفسه ، أخذوا كلهم يقرعون على صدورهم بأيديهم ويعيدون معا اللازمة "حسين ، حسين . كان السجين والسجان يحتفلان بالشهيد نفسه :الحرس الثوري الذي فقد لتوه هذا الصباح أخا أو قريبا إغتاله في وسط الشارع أحد الفدائيين ، وسجين ايفين الذي فقد هو ايضا أخا أو قريبا أعدم بالرصاص بعد الظهر على مقربة مئتي متر من هنا .

هذا ما يفسر سبب الارتداد السريع الصادق والظاهر "لمجاهدي خلق" ، ما كادوا يصلون الى ايفين ، حتى اخذوا ينضمون الى صفوف التائبين ، الذين بدأوا يطرحون من الآن فصاعدا انصارا متحمسين للنظام ، لذلك لم أتفاجأ إطلاقا حين رأيت الشبان أعداء الأمس يدافعون بضراوة كبيرة عن النظام ويصلون من أجل صحة السيد الخميني...في ايفين وجدت منظمتهم التي عالجتهم بطريقة سريعة ومصطنعة ، في مواجهة تناقضات عقيدتها وفي وضع جعلها تتخلى عن كل شئ لتعتنق إيديولوجية الفريق الخصم ، كان قضاة أيفين يبرهنون بمهارة لمشايعيها أن منظمتهم هي التي انعطفت ، بفضل دعم غربي قوي ، الى نظام صدام الذي هو في حالة حرب مع ايران "
وشهادة نراقي تعالج التغيير الفكري الذي طرأ على أفكار أعضاء جماعة سياسية تم خداعهم واستغلالهم من قبل قادة حزبهم ، ولكن الأمر لن يكون على نفس المنوال بالنسبة لمفكرين وصحافيين بقوا على قناعة تامة بافكارهم وارائهم المخالفة للخطاب الرسمي .

كما ان شهادة نراقي ترصد في جانب منها الضريبة التي يدفعها المثقف بسبب ارائه وتحليلاته التي تتضاد مع مواقف السلطة "شاغل آخر توفر لعدد من المعتقلين حين جُهز قسمنا بمكتبة صغيرة ...كانت الكتب في المكتبة مختارة بعناية فائقة ، كان هنا بالإضافة الى المؤلفات التي تتناول القرآن والفقه الشيعي التي تحتل مركز الصدارة ن نصوص فلسفية وسياسية يعتبرها النظام الإسلامي مقبولة ، ومن بينها ، لدهشتي ، كتبي التي وجهت فيها انتقادات للتغرب الذي مارسه الشاه في جميع الاتجاهات ، كنتث أشجع زملائي على قراءة كتب الفقه بحيث يستطيعون التعرّف الى عالم أبعدتهم عنه كثيرا طريقة العيش العلمانية جدا في عهد الشاه ، والتهيؤ أيضا لمواجهة القضاة الإسلاميين ، إضافة الى الكتب الدينية كان هناك صور عن بعض الوثائق التي أخذها الطلاب الخمينيون من السفارة الاميركية في طهران ، في تشرين الثاني نوفمبر 1979 ن حين احتلوها وأخذوا ديبلوماسيها رهائن ، هذه الوثائق التي تضم تقارير موزعة على عقدين من الزمن تعكس السياسة التي إتبعها الاميركيون في ايران والمنطقة وتكشف في الوقت نفسه عن طبيعة العلاقات التي أقامها رجال النظام السابق معهم ، ويستنتج من قراءة هذه الوثائق ، تحديدا ، أن الذكاء السياسي "لحماة" الشاه لم يكن يتجاوز ذكاء النظام نفسه ، ويبدو في الواقع أن مستشاري السفارة الأميركية الذين اكتفوا غالبا بإقامة علاقات صداقة مع رجال النظام ،كأن يصادفوهم في العشاءات برفقة زوجاتهم أو يكتفوا بذكر أسمائهم دون ألقاب ،اعتقدوا أنفسهم واثقين من المامهم بالتطورات السياسية في البلاد عن كثب.وباستثناء وثيقة أو اثنتين ، من النادر العثور في تلك التقارير عن تحليل عميق للمجتمع الايراني ".

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف