إيلاف+

إيلاف في معقل مجاهدي خلق

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نزار جاف: أيام الشاه محمد رضا بهلوي، حيث السطوة والجبروت وكل مظاهر الإستبداد كانت قائمة في أرجاء إيران، كانت المعارضة الإيرانية بإختلاف تياراتها ومشاربها تقارع الحكم الامبراطوري، لكن التيار السياسي الذي تميز بحضوره الميداني التعبوي والعسكري القوي بين مختلف الأوساط والشرائح الإيرانية، كان يتمثل في منظمة "مجاهدي الشعب"، التي وعلى الرغم من التعتيم الإعلامي الإيراني القوي آنذاك، فإنها كانت تفرض أنباء عملياتها العسكرية على وكالات الأنباء العالمية. هذه المنظمة التي كان لها دور بارز جدًا في إسقاط الشاه، صارت فيما بعد وقودًا للثورة التي قادها الإمام الراحل "آية الله الخميني" وقام الحكم الإيراني منذ إقصائها عن الساحة السياسية بتصويرها على أنها واحدة من ألد أعداء "الثورة والشعب الإيراني" وحتى أنها إيغالاً منها في معاداتها وضعت مصطلحًا خاصًا للإشارة إلى اسم هذه المنظمة. غير أن هذه المنظمة التي صورتها السلطات الاسلامية الإيرانية على انها قد إنتهت تمامًا، ما زالت تفرض سطوتها على الشارع السياسي والأمني في إيران، وما زالت السلطات الإيرانية تسعى بكل جهودها لإنهاء ملف هذه المنظمة على الصعيدين الإقليمي والدولي بعد أن فشلت في تصفيته داخليًا.

غير أن الأحداث الدولية الراهنة وتفاعلات الساحة الداخلية الإيرانية، دفعت إلى الواجهة هذه المنظمة مرة أخرى، وقد أفادت تقارير موثوقة من داخل إيران، أن هناك تفاعلاً وتواصلاً جماهيريًا مع هذه المنظمة السياسية الإيرانية التي لها تاريخ عريق في التاريخ السياسي المعاصر لإيران. وعلى الرغم من کل تلك المحاولات التي بذلتها السلطات، فإن "مجاهدي الشعب" قد عادت لتفرض وجودها على الساحة الإيرانية، وحتى أن محاولات إيران لإبعاد مجاهدي الشعب من العراق يفسرها الکثير من المراقبين بأنها إقرار ضمني بقوة دورهم في الداخل.

إيلاف كعادتها في زيارة الأماكن الحساسة، قامت بزيارة هذه المنظمة في عقر دارها بمدينة أشرف في العراق، لكي تنقل من هناك للقارئ العربي صورة حية لما يدرور هناك وآخر أنباء هذه المنظمة ومستجداتها.

جولة كادت تصير دولة!!
عند إعلان وقف إطلاق النار بين العراق وإيران عام1988، قامت منظمة مجاهدي الشعب بهجوم واسع النطاق وعنيف ضد الحكم الإيراني، وصلت جحافلها خلاله إلى مشارف مدينة كرمانشاه بعمق 180 کيلومترًا داخل الأراضي الإيرانية، وكادت تسيطر عليها بعد أن سيطرت على العديد من المدن والقرى الإيرانية، يومها هبت "منظمة بدر" التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، إلى جانب القوات الإيرانية الأخرى وتصدت لقوات المجاهدين لتجبرها على الإنسحاب بعد معارك طاحنة وعنيفة جدًا، بحسب ما يرويه ويؤکده دومًا العديد من عناصر قوات بدر البارزين. في تلك المعارك، قد برزت الفتيات والنساء المجاهدات كمقاتلات عنيدات وفائقات الشجاعة، حتى أنهن صرن فيما بعد مضربًا للحديث والمثال بين مقاتلي بدر أنفسهم، كما روى لنا "أبو حيدر اللامي" المقاتل السابق في صفوف قوات منظمة بدر، عندما أکد: "أنهن کن يشبهن تلك النماذج التي تقدمها السينما الأميرکية من حيث مناورتهن وخفة حرکتهن وسرعة مبادرتهن ومواجهتهن لأعدائهن، الحق إنني لم أتصور أبدًا أن أجد نساء من هذا النوع الخاص جدًا. وکما تشير العديد من الأوساط العراقية المعارضة التي کانت تقيم آنئذ في إيران، فإنه لولا مساندة قوات فيلق"بدر" للقوات الإيرانية، فإنه لم يکن أبدًا في وسع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقف زحف مجاهدي الشعب بإتجاه العمق الإيراني. ويقول "م. أ"الوجه العسکري البارز وقتئذ في فيلق بدر، والذي طلب عدم الإشارة إلى إسمه الصريح: "لولا قوات بدر لکان لإيران شأن آخر في تلك الايام العصيبة، فقد کان الايرانيون أساسًا غير متحمسين للوقوف بوجه ذلك الهجوم الشرس والعنيف الذي قاده "المنافقون" (تسمية مستخدمة ضد المجاهدين لدى السلطات الايرانية)، وکان من الممکن جدًا أن يحسموا الأمر بزاوية قدرها 180 درجة، لولا وقفة مقاتلي بدر الشجاعة". وإستطرد وکأنه يدلي بسر مهم جدًا :"لقد کانت جولة غريبة من نوعها وکادت أن تصير دولة!".

مدينة أشرف... بقعة إيرانية داخل العراق
عندما دخلنا مدينة أشرف معقل منظمة مجاهدي الشعب الإيرانية أو "المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية"، شعرنا وکأننا ندخل أرضًا إيرانية، ذلك أن کل شيء فيها کان يوحي بإيران، فطراز بناء الابنية وتشييد الساحات وتزيين الحدائق والمقابر، إضافة إلى الأسواق، کلها کانت تدل على ذوق وفن إيراني رفيع المستوى. والشيء الآخر الذي جذب إنتباهنا، هي تلك الإبتسامات وتعابير الإنبساط التي کدنا نجدها علىغالبية الوجوه.كلهم هنا متفائلون بغد مشرق لإيران، کما أنهم يجزمون بأن نهاية الحکم "الاستبدادي"في إيران (کما يسمونه) باتت أکثر من وشيکة.
مدينة أشرف تقع على بعد 100 کيلومتر شمال بغداد على طريق بغداد ـ کرکوك. ولم تکن في البداية سوى منطقة صحراوية جرداء، لکنها وبعد أن إستقر فيها المجاهدون، إنقلبت إلى منطقة خضراء بالغة الجمال والسحر. قبل عشرون عامًا، وکما روى لنا السيد "حامد أديب"، تم إختيار إسم الشهيدة "أشرف رجوي" لتطلق على هذا المکان، أشرف کانت في زمن الحکم الشاهنشاهي قد أعتقلت وعذبت، لکنها وبعد مجيء الخميني للحکم، فقد هاجموها مع 18 عشر آخرين من رفاقها المجاهدين في دارها مستخدمين الأسلحة الثقيلة وطائرات اzwnj;zwnj;لهليکوبتر ليتم إستشهادهم جميعًا.

في مدينة أشرف، تجد حزامًا أخضر والعديد من الحدائق وبحيرة صناعية، وهناك متحف لما خلفه الشهداء خلفهم من مقتنياتهم الخاصة، کما فيها أيضًا هدايا مقدمة للمجاهدين من قبل شخصيات سياسية وقادة الدول العربية. کما هناك مقبرة خاصة للمجاهدين الذين سقط قسم منهم عن طريق عمليات إرهابية للنظام الإيراني في العراق وترکيا بعنوان "قطعة مرواريد" أي بقعة اللآلئ. کما هناك مسجد بالغ الجمال يدعى مسجد فاطمة الزهراء، وفيه يصلي السنة والشيعة معًا من دون أن يولوا أهمية لمسألة الامامة سواء کان سنيًا أم شيعيًا. وبعد سقوط النظام البعثي، صارت مدينة أشرف مکانًا يزوره العراقيون بکثافة، مثلما يزوره الإيرانيون سرًا على الرغممن محاولات السلطات الإيرانية للحد من ذلك، بحسب کلام مرافقنا الاخ حامد أديب. لکن الموقع الأبرز من الناحية العمرانية والجمالية کان برج "آزادي" أي الحرية التي تلفت نظر الزائر الى المدينة بقامتها الممشوقة المنتصبة في وسط المدينة.

في مدينة أشرف، التي طالما سعت الأجهزة الأمنية الايرانية لإختراقها، تجد الصرامة والانضباط العسکريين في کل مکان، لکنك مع ذلك لا تشعر بنوع من الضغط أو التضييق عليك، بل إن الأمر معد بطريقة حضارية واسلوب مدني يتسم بالتقدم والتطور. وأکد المسؤولون هنا بأن کل محاولات الاجهزة الامنية التابعة للسلطات الايرانية بإختراق المدينة وتنفيذ أعمال عنف من قبيل تفجيرات وإغتيالات فيها، قد باءت جميعها بالفشل الذريع.

لم نکن طرفًا ضد الشعب العراقي إبان الإنتفاضة
أثناء جولتنا داخل مدينة أشرف، کان هناك سؤال يحضرنا منذ البداية، وهو لماذا تدخلت هذه المنظمة کطرف أثناء الانتفاضة بداية التسعينات؟ وقد أجابني السيد "بهزاد صفاري" الناطق بإسم المنظمة هناك، بأن المسألة ليست کذلك أبدًا وهي قد أخذت بعدًا وسياقًا خاصًا تم الاعداد له مسبقًا من طهران، فهم يريدون أن يوقعوا بيننا وبين الشعب العراقي الذي نکن له کل الاحترام. وعندما بادرته بأن الکورد بشکل خاص يؤکدون على أن منظمة "مجاهدي الشعب" الإيرانية قد وقفت الى جانب النظام البعثي في قمعها للشعب الکوردي، فقال بإبتسامة عريضة ترتسم على وجهه: "يا أخي، لن أتکلم معك بلغة العواطف والانفعالات وإنما سوف أتکلم معك بلغة الأدلة والبراهين. أثناء الانتفاضة المذکورة، قامت الاجهزة الايرانية الامنية المعادية لنا بإستغلال ظروف العراق و أوضاعه وقتذاك، ودست بالمئات من عناصرها المشبوهة وهم يلبسون الملابس الکوردية المحلية للتمويه، وقد قمنا بإعتقال الکثيرين منهم ويومها عرضنا ذلك على الملأ کما أنهم بثوا بين الشعب الکوردي وفي مختلف المناطق وعبر عملائهم المبثوثين هنا وهناك إشاعات تفيد بأن المجاهدين قد قاموا بجرائم کبيرة ضد الشعب الکوردي. ومع ذلك وفي سبيل الوقيعة بيننا وبين الشعب الکوردي، کما إنهم بثوا مع هذه الإشاعة إشاعة مغرضة أخرى تفيد إننا نساند الحکومة العراقية ضد الکورد بهذا الخصوص، وهذا الامر قد فنده مصدر کوردي في رده على محکمة هولندية لسؤال بهذا الخصوص، والمصدر هذا يشغل الآن منصب رفيع المستوى في الحکومة العراقية الحالية. وعندما أخبرته بما يروجه مقاتلو فيلق بدر من أنهم هم الذين صدوا الهجوم وأجبروا المجاهدين على التقهقر، ضحك السيد صفاري وهز برأسه ثم أردف قائلاً: "هؤلاء کانوا من ضمن تشکيلات قوات القدس التابعة لنظام الملالي، صحيح أنهم شارکوا لکنهم لم يکونوا أبدًا السبب في دحرنا، والصحيح أن النظام قد زج بقوات هائلة جدًا في مواجهتنا، ولم يکن هناك أي تکافؤ في ميزان القوى من الناحية العسکرية بين الطرفين". وعندما أردنا طرح المزيد من الاسئلة على السيد بهزاد صفاري الناطق بإسم المنظمة، قال بلطف بالغ:"دعوا الاسئلة الى مسؤول رفيع المستوى لکي يجيب عليها بصورة شافية".

من حياة الدعة إلى سوح الوغى
أثر إعدام عمها "برويز غودرزي" الذي کان رياضيًا بعد أن تعرض لتعذيب عنيف وإستشهاد عمتي "فريبا غودرزي" على يد قوات حرس النظام (الحرس الثوري) وکان عمرها 25 عامًا، وکان أبواها مهددين بالاعتقال ومواجهة حبل المشنقة فلم تجد عائلتها، بدا لها الفرار لتستقر في المانيا وکان عمرها في ذلك الوقت لا يتجاوز السنتان، وبعد أن أکملت تعليمها وتخرجت کإخصائية نفسانية من جامعة کولونيا عام، لم يمرzwnj; سوى وقت قصير على ذلك حتى وجدت نفسها ملتحقة بصفوف "مجاهدي الشعب" وکان سنها آنئذ 20 عامًا، هکذا روت لي الانسة "عادلة غودرزي" قصة إنضمامها إلى المنظمة. وعندما سألتها عن دافعها لکي تصبح خصمًا للنظام السياسي في إيران قالت: "للحياة في أوروبا کم تعلم بريقها الخاص، وليس بالهين أن تنشغل أفکار الشباب بوجه خاص بالقضايا السياسية، وکانت ليوقتذاك طموحاتي وأحلامي في سبيل بناء حياتي الخاصة، کنت مغرمة بالموسيقى، لکن هناك مفترقات حاسمة في حياة الانسان تجبره أن يحدد إختياره ويمشي في درب يجد السير فيه واجبًا إنسانيًا ينبع من عمق ذاته، وهذا ما حصل لي تحديدًا حين وجدت شعبًا مثل المکبل بيد نظام ليست في قاموسه کلمة إسمها الرحمة". وقاطعتها لأقول لها إن القتال للرجال فلماذا تفرضينه على نفسك وأنت مجرد أنثى؟ فأجابتني وقد بان العزم واضحًا جدًا في بريق عينيها وملامح وجهها: "عندما يصبح الظلم قانونًا تصبح المقاومة واجبًا وخيارًا لا بد منه للرجل والمرأة على حد سواء. من المؤسف أن تکون مفردات الحرب والقتال و النضال تقترن دوما بالرجل تحديدا، لکننا نحن الايرانيات المناضلات في صفوف منظمة مجاهدي الشعب الايرانية قد غيرنا هذه الفکرة وأنا واثقة من أن التأريخ سوف يکتب الکثير عن ذلك". ولما سألتها عن کيفية قضائها لأوقات فراغها قالت: "هناك الکثير من الاعمال أثناء فراغي لا أعرف في بعض الاحيان أنجز أيًا منها، على سبيل المثال، قمنا أنا وأخواتي المجاهدات خلال السنوات الاربع السابقة بتشکيل فرقة موسيقية تقليدية في مدينة أشرف لکي نتمکن من خلال الفن أيضًا أن نوصل رسالتنا الى الشعب الايراني المضطهد وبالخصوص الشباب الايراني المحروم من أغلب الاشياء، إضافة الى أعمال أخرى مثل إستقبال النساء العراقيات اللائي يأتين لزيارتنا والتحدث إليهن والعديد منهن يزرننا بإستمرار حتى إنه باتت لنا علاقات وثيقة جدًا معهن، وهن يتحدثن عن المعاناة وحجم المآسي والويلات التي فرضها عليهم النظام الايراني، وهنا أحب الاشارة الى أنهم يحبون منظمة مجاهدي الشعب بشکل ملفت للنظر حتى أن الامر يخجلنا في الکثير من الأحيان.

التحقيق منشور في ايلاف دجتال يوم الجمعة 11 مايو 2007

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف