رياضة

العنصرية والرياضة... من يؤثر على من؟

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

العنصرية الوجه القبيح للرياضة
الأميركي جيسي أوينز قهر هتلر في برلين قبل الحلفاء
"الموز" أثار "قرد" الكاميرون فأشعل فتيل أحقاد قديمة
لوبان يسخر من ألوان لاعبي المنتخب الفرنسي بطل المونديال


أحمد سعيد _ أبو ظبي : نشر السلام بين شعوب الأرض ونبذ الكراهية والعنصرية من أهم أهداف الرياضة، حتى أن تنظيم دورات الألعاب الأولمبية في أثينا القديمة قبل أن تنقطع العنصرية الوجه القبيح للرياضة تعودإلى عهد اليونان الحديث عام 1896، إعتبر فرصة لتنحية الخلافات السياسية والعرقية في إطار سعي البشر نحو الرقي بأنفسهم عبر المنافسة الرياضية الشريفة، ولكن الواقع يؤكد أنه طالما تركت العلاقات الدولية العاصفة أثرها الواضح على الرياضة، ولم يستطع العالم رغم ما وصل إليه من رقي وحضارة أن يتخلص من العنصرية التي اعتبرت "الوجه القبيح" للرياضة، بعد أن تحولت إلى أداة في يد الجماهير المتعصبة لهدم معنويات الخصوم على أساس اللون أو العرق أو حتى الدين.

الدنيا قامت ولم تقعد بعد الهتافات العنصرية التي تعرض لها الكاميروني صامويل ايتو لاعب برشلونة من جماهير ريال سرقسطة في مباراة بين الفريقين في الدوري الأسباني الموسم الماضي، بسبب لونه الأسود حتى أن حكم اللقاء أوقف المباراة ودعا الجماهير عبر الإذاعة الداخلية إلى إيقاف هتافها المعادي للاعب الذي ثار وحاول الخروج من الملعب لولا تدخل زملاءه في الفريق والمدير الفني لبرشلونة المدرب الهولندي فرانك ريكارد صاحب البشرة السوداء أيضًا، واجتمع الإتحاد الأوروبي لكرة القدم بعد الواقعة ومنح حكم المباراة الحق في إنهاء أي لقاء في حالة صدور أي هتافات عنصرية من الجماهير، مع حق الإتحاد الأوروبي في إتخاذ العقوبات الرادعة تجاه النادي الذي صدرته من جماهيره تلك الهتافات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أعلن عدد من نجوم العالم السابقين والحاليين مساندتهم لأي إجراءات تتخذ لإيقاف مثل تلك التصرفات مستقبلاً، ومنهم فيفي اندرسون أول لاعب أسود ينضم إلى صفوف منتخب إنكلترا في السبعينات.

طبعًا أصحاب تلك الهتافات وجدوا من يدافع عنهم، إذ إعتبر بعضهم أن ايتو نفسه يستفز الجماهير برقصته الشهيرة التي يقلد فيها القرد عقب كل هدف

و أقرأ في إيلاف ...

الفهد يحتفظ برئاسة المجلس الأولمبي لولاية خامسة

الإتحاد السعودي يفتح تحقيقا سريا مع لاعبي الهلال

مفاجأت البلوي لا تنتهي

لاعب فرنسي يهاجم عنصرية مرشح الرئاسة ساركوزي

البارصا .. الأقرب الى اللقب

رونالدو: ساعود لمستواي

يسجله، ودافع أفضل لاعب أفريقي في عام 2005 عن تلك الرقصة بأنها جاءت كرد فعل منه، عندما نادت عليه جماهير ريال سرقسطة نفسها في الجولة 23 للدوري الأسباني في الموسم الماضي 2004-2005 بـ "القرد" أثناء المباراة، وألقت عليه الموز مما دفعه للإحتفال بتلك الرقصة عندما سجل هدفًا في مرمى فريقهم.


ولم تكن واقعة ايتو البداية ولن تكون النهاية، فمن قبله وتحديدًا عام 2001 عبر سيب بلاتر رئيس الإتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" عن التعصب الجماهيري بأنه بلاء مروع سائد في أنحاء العالم، وأقر مندوبو أكثر من 200 دولة مشروع قرار في المؤتمر الطارئ الذي عقده الفيفا لهذا الغرض في يناير من العام نفسه بعد أن استشرت العنصرية في الملاعب الأوروبية تحديدًا، حيث أخذ مؤيدو بعض الأندية في إيطاليا مثلا بإطلاق هتافات ضد اللاعبين السود والتلفظ بعبارات عنصرية ورفع لافتات عليها عبارات ورموز عنصرية قبل وأثناء مباريات الموسم الكروي لعام 2000، وكانت لدى القيادة الرياضية السعودية من الشجاعة ما دفعها إلى الإعلان عن برنامج خاص للقضاء على النزعة القبلية بين الجماهير في المدرجات خلال بعض المباريات الحساسة في المسابقات المحلية.

للأسف عادة لا تشفع النجومية لصاحبها كثيرًا في هذه القضية، فعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من نجوم الرياضة العالمية من جذور أو أصول عربية مثل نجم الكرة الفرنسي زين الدين زيدان الجزائري الأصل، وبطل الملاكمة العالمي السابق نسيم حميد البريطاني الجنسية واليمني الأصل، وسائق السيارات الألمانية الجنسية مايكل شوماخر الذي يقال إنه جزائري الأصل، إذ أن هؤلاء ولدوا وترعرعوا في الغرب كأبناء لعائلات مهاجرة، ومع هذا فإن والد والدة زيدان ليس لهما الحق في فرنسا بالاقتراع في الانتخابات.

ظهور العنصرية في المحافل الرياضية قديما يدعم الرأي القائل أن العنصرية قديمة قدم المجتمع البشري وحاضرة في التاريخ كله، لأن كراهية الأعراق الأخرى من صلب الطبيعة البشرية، ولذا فإن لا نهاية لها إلا بانتهاء هذه الطبيعة وفناء بني البشر، ويضعف الرأي الآخر القائل إنها ظاهرة حديثة، وإن ما عرفته المجتمعات القديمة من أشكال مختلفة عن العنصرية الحالية في أكثر من جانب، ولكنها بصفة عامة ظاهرة سلبية أثارت قلق عشاق الرياضة في العالم خوفًا من العودة إلى الملف الأسود للرياضة الذي يضم الكثير من المواقف العنصرية الحالية وعلى مدار التاريخ، وندلل على العنصرية الحالية بالتفرقة بين الشمال والجنوب الإيطالي، وظهور النازية الجديدة في ألمانيا، وأصحاب الرؤوس الحليقة في إنكلترا ممّا يزيد من أعمال الشغب والعنف في ملاعب تلك البلدان، حتى في فرنسا التي تعتبر نفسها زعيمة حقوق الإنسان والحريات، سخر جان لوبان زعيم حزب الجبهة الوطنية من المنتخب الفرنسي الفائز بكأس العالم لكرة القدم عام 1998 لأنه يضم العديد من أصحاب البشرة السمراء.

وقديمًا لا يزال العالم يذكر على سبيل المثال دورة الألعاب الأولمبية في برلين عام 1963 التي جرت وسط الدعاية النازية بقيادة الزعيم الألماني هتلر الذي كان ينادي وقتها برقي الجنس الألماني على غيره من أجناس الأرض، وهو ما صدقه الشعب الألماني وقتها، لكن مما غمهم وكدرهم أن بطل الدورة بلا منازع كان الأميركي الأسود جيسي أوينز الذي حصد 4 ميداليات ذهبية ليكون أول من قهر هتلر والنازية في قلب برلين قبل إنتصار الحلفاء بقيادة بلاده أميركا على المحور بقيادة ألمانيا بسنوات طويلة.

ورغم الهجوم الذي تعرض له الفكر النازي العنصري في ذلك الوقت، مما جعل العالم يظن أنه بعد سقوط زعيمه هتلر سيكون العالم أهدأ والرياضة ستكون وسيلة فعالة للقضاء على البقية الباقية من العنصرية، إلا أنه للأسف جاءت دورة الألعاب الأولمبية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1948 في لندن لتهدم كل الآمال عندما منعت مشاركة اليابان وألمانيا، ثم جاءت دورة 1952 في هلسنكي ورفضت الكتلة الشرقية تقاسم القرية الأولمبية مع نظيرتها الغربية، وقرر العالم بعد أن شعر بعودة خطر العنصرية عدم توجيه الدعوة إلى جنوب أفريقيا للمشاركة في دورة 1964 في طوكيو لتطبيق جنوب أفريقيا لسياسة الفصل العنصري بين البيض والسود الذي أطلق عليه "الأبارتيد"، وهو النظام الذي للأسف الشديد وجد من يعترف بدولته وبسبب زيارة منتخب نيوزيلندا للرجبي لجنوب أفريقيا، ومشاركته في دورة ألعاب عام 1976 في مونتريال قاطعت 22 بلدًا أفريقيًا الدورة، وعندما نظمت موسكو زعيمة الكتلة الشرقية دورة عام 1980 قاطعت المشاركة الولايات المتحدة وألمانيا الغربية واليابان، وفي الدورة التالية عام 1984 في لوس أنجلوس رد الإتحاد السوفيتي "القلم" للولايات المتحدة ورفض المشاركة.

هذا ما تفعله العنصرية في الرياضة، ولكن ماذا تفعل الرياضة في العنصرية؟
لدينا في ذاكرة التاريخ الأميركية قصة طويلة عن كفاح الرياضة ضد العنصرية حتى تمكنت من صهر المجتمع الأميركي في "بوتقة" واحدة، فبعد سنوات من تقسيم الأندية الرياضية في كل الألعاب إلي بيض وسود، تم إلغاء أندية السود لينضموا إلى الأندية الرئيسة للبيض، ولا يذكر التاريخ الأميركي إلا وتذكر كرة البيسبول الرياضة الشعبية الأولى، ودورها في جمع المهاجرين الأوائل، وفي توسعهم نحو الغرب وبناء النواة الأولى لأميركا كما نعرفها اليوم، ويعتقد أن لأصل البيسبول لعبة رواندر البريطانية التي يقال إن أصلها كرة الحجارة الفرعونية.

والأهم أنه خلال الحرب الأهلية نشر جنود الولايات الشمالية اللعبة في ولايات الجنوب عندما هزموها وأسقطوا الولايات العنصرية، وعندما استعمر الأميركيين الفلبين مع بداية القرن العشرين نشروا كرة البيسبول، وساهمت اللعبة في توحيد سكان جزرها المتنوعين عرقيًا ودينيًا ولغويًا، وعندما هزم الأميركيين اليابانيين في الحرب العالمية الثانية، نشروا الرياضة نفسهاهناك من أجل تعزيز الهيمنة الأميركية في اليابان عبر توحيد نوع من القيم المشتركة بوساطة الرياضة، وخلال السنوات القليلة الماضية دار التاريخ دورة كاملة، وبدأت أندية كرة البيسبول الأميركية تستورد لاعبين من الفلبين واليابان.

ثم حدث تطور آخر وساهمت البيسبول بالذات في الإندماج الاجتماعي بين البيض والسود، فخلال المئة سنة الأولى كان السود رقيقًا ولم يسمح لهم بأي نشاط رياضي منتظم، وخلال المئة سنة الثانية بعد إلغاء الرقيق واستمرار التفرقة الرسمية، كون للسود فرق خاصة بهم في كرة القدم وكرة السلة وكرة البيسبول، وكانت الفرق تتنافس في ملاعب خاصة بالسود، وتصعد إلى ادوار نهائية وتحقق بطولات سنوية، وخلال الخمسين سنة الأخيرة وبعد إلغاء التفرقة الرسمية، بدأ السود ينضمون إلى فرق البيض واختفت تدريجيًا فرق السود، واشتهر جاك روبنسون عندما أصبح أول أسود يلعب في منافسات كرة البيسبول في 1947، مع فريق بروكلين في نيويورك ضد فريق بوسطن، وخلال المباراة شتمه بعض المتفرجين شتائم عنصرية، لكنها لم تمنع دخوله التاريخ.


مع مرور الزمن زاد هذا الإندماج، مثلاً عندما تربع تايجر وود وهو خليط ابيض واسود وآسيوي على عرش الجولف، ثم انضم إليه الهندي فيجاي سنج، وأصبح آرثر آش أول أسود أميركي وغير أميركي يفوز ببطولة ويمبلدون في 1968، وفاز بالبطولة مرة أخرى بعد ذلك بسبع سنوات، والآن تتنافس الشقيقتان السوداوان سرينا وفينوس على عرش التنس العالمي.

لا يقتصر المثال على الحالة الأميركية، فالبريطانيون نجحوا في تصدير الكريكيت إلى بعض مستعمراتهم، وساهمت اللعبة أيضًا في تعزيز الإندماج الإجتماعى في بلدان متعددة جدًا عرقيًا ودينيًا ولغويًا مثل الهند، وساهمت أيضًا في تقوية العلاقة بين هذه الشعوب وبين بريطانيا حتى بعد أكثر من نصف قرن من نهاية استعمارها، وأيضًا أدت إلى حراك إجتماعي كبير في الهند، فالفئات التي كانت منبوذة أو فقيرة معدمة تحولت إلى طبقة وسطى عبر تفوقها في الكريكيت.

أما البريطانيون فلعبوا أول مباراة رسمية للكركيت في الهند في منتصف القرن الثامن عشر، وانضمت الهند في 1932 إلى نادي الصفوة مع بريطانيا واستراليا وجنوب أفريقيا ونيوزيلندا وجزر الهند الغربية، وفي سنة 1952 انضمت باكستان إلى النادي، وساعد الكريكيت في تحسين علاقتها مع الهند بعد الحرب الأهلية التي قسمتهما 1947، وخلال الحربين بين البلدين بعد التقسيم كانت تجمد المنافسات ثم تستأنف بعد نهاية الإشتباكات.
ولكن هل يأخذ العالم المتحضر درسًا من التجارب الناجحة لبعض الدول مع الرياضة لحل مشاكلها العرقية، ويبدأ في التخلي عن العنصرية... لا أعتقد ذلك، لأنه كما سبق أن ذكرت، فالعنصرية بكل صورها ستظل طبيعة بشرية لن تزول إلا بزوال البشر.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف