رياضة

ومع ذلك فإنها تدور - سؤال للاعب لم يفطر..

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

قبل أربعين عاماً سأل رياضيون مفتي الجزائر في تلك الأيام المرحوم الشيخ أحمد حماني عن جواز عدم الصوم أثناء المشاركة في المنافسات الرياضية العالمية، فأجاب أنه لا يرى مانعاً من أن يفطر الرياضيون إذا كانوا يمثلون أمتهم في محفل عالمي يكون الهدف منه الدفاع عن الأمة أمام خصومها (..) وأعطى مثلاً بالملاكم العالمي الأسطورة محمد على كلاي الذي جلب بإيمانه عزة للإسلام، لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.. فلم تثر هذه الفتوى يومها كثيراً من اللغط ولم تُسل حبراً كما هو الشأن بالنسبة إلى هذه الأيام، إذ لا تكف الصحف والمنتديات الإلكترونية وحتى الفضائيات من إثارة موضوع جواز إفطار اللاعبين أثناء لعب مبارياتهم وقت الصيام.. والفتوى التي طلعت من أدراج الأزهر الشريف ومفادها أن الاحتراف يعني أن يمارس المعني (أي اللاعب) مهنته في ظروف شاقة تفرض عليه الإفطار، فينطبق عليه ما للمسافر والمريض (..) وفي هذا اجتهاد، بالنظر إلى ما وصل إلى عالم الرياضة من احترافية محضة.. ويذكرني هذا بما قام به عمال مركب الحجار للحديد والصلب في مدينة عنابة (الجزائر) الذين انتهزوا وجود علماء ودعاة بمدينتهم وطرحوا عليهم مسألة الإفطار لأن أفران صهر الحديد لا تطاق عندما تصل درجة حرارتها إلى ما فوق المئة، إذ يشعر العمال أنهم يجفون من العرق. وكنت حينها في مقتبل العمر أتابع نقاشات العلماء في الموضوع وجاء حينها أحدهم بآية قرآنية أفحمت الجميع حين قال ألم يقل الله سبحانه وتعالى في سورة الحديد "وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس"؟، فتنفس الجميع الصعداء. وأكل العمال طعاماً طيباً تحت درجة مئة فوق الصفر.

ولعل السبب المباشر في العودة إلى الفتوى في المجال الرياضي، هو الاهتمام الكبير الذي بدأ يأخذه الدين في الرياضة، إلى جانب السياسة طبعاً، فكثير من الرياضيين يستثمرون حضورهم في أي محفل رياضي عالمي فيروجون لفكرة يكون منطلقها الديني بلوغ هدف سياسي بحت، وهذا ليس قصراً على الرياضيين العرب والمسلمين بل تعداه إلى الرياضيين من ذوي المعتقدات الأخرى. وعلى رغم أن فتوى جواز الإفطار لن تجد لها إجماعاً مهماً اجتهد الفقهاء والعلماء، باعتبار أن هناك من ينظر إلى أن الرياضة مجرد لهو، ومن ينظر إليها على أنها أداة لإبراز قوة الأمة. وبين هذا الرأي وذاك يكثر المجتهدون شرقاً وغرباً.

وإذا كان الفضل في إثارة مسألة الصيام أثناء الممارسة الكروية، يعود للغاني علي مونتاري وما انجر عنه من لغط بسبب تصريحات مورينيو التي زعم فيها أن لاعب الأنتر لا يمكنه إكمال المباراة بسبب الصوم، فتحت عليه أبواب جهنم، لأنه أقحم نفسه في مسألة روحية بالدرجة الأولى، ومرتبطة بقناعة دينية لا يجوز تفسيرها من زاوية المردود. ولعل المؤتمر الذي عقد في الجزائر قبل ثلاث سنوات بطلب من "الفيفا" حول تأثير الصيام في الممارسة الرياضية، خلص إلى نتائج جعلت خبراء "الفيفا" يراجعون كثيراً من قناعاتهم، ويقول بعضهم إنه لا يوجد أي خطر على اللاعبين إذا لعبوا صائمين. فاتجهوا بعدها إلى بوليفيا وقالوا إن اللعب على ارتفاع 2500 متر يشكل خطراً على اللاعبين الذين لم يعتادوا اللعب في مثل ملاعب بهذا العلو. ولكن ثار رياضيو وسياسيو هذه البلدان واعتبروا تدخل هيئة الجلد المنفوخ خارج النص، وأن رائحة السياسة تنبعث من قصر زيوريخ، فتراجع بلاتر وجماعته، وصاروا أكثر اهتماماً باستخدام التكنولوجيا في المباريات على الخوض في مسائل الدين والسياسة.

لقد سألت لاعباً دولياً عن إحساسه وهو يفطر لمواجهة منتخب عصي، فأجابني "إلا هذه فلن أفعلها.. ألم تكن أكثر انتصارات المسلمين في شهر رمضان؟ فأفطر أنا لأخرج خاسراً مرتين أمام الله وأمام خصومي". فأغلقت الباب ولم أسال منذ ذلك الحين أي رياضي عن موضوع كهذا، لأنها مسألة روحية لا يمكن أن تنفع معها اجتهادات العلماء ولو كانوا من محبي ميسي وكريستيانو.

mihoubimail@gmail.com

جريدة الحياة اللندنية

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف