فن الترجمة

المؤتمر العالمي لمترجمي الأدب

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

I ¦wiatowy Kongres T³umaczy Literatury Polskiej

آدم كركور من كراكوف: "في هذه اللحظة، في هذه اللحظة بالذات، نحن شهود على ولادة دور جديد ومكانة جديدة للمترجمة، وللمترجم في العالم، في الثقافة وفي الأدب المعاصر. ربما لا نلاحظ ذلك أو نحس به دائما، إلا أن اللحظة جوهرية وتستحق الإنتباه..." الكاتب البولندي المعروف ريشارد كابوشتينسكي

انعقد قبل فترة في مدينة كراكوف التاريخية أول مؤتمر عالمي لترجمة الأدب البولندي، حضره مائة وسبعة وسبعون مترجمة ومترجما من كافة أنحاء العالم. أصبحت اللغة البولندية ولأول مرة لغة عالمية، وهي لغة كتاب وفنانين عمالقة من أمثال: آدم ميتسكيفيتش، وسووفاتسكي، ونورفيد، وشينكيفيتش(أول روائي بولندي حائز على جائزة نوبل في الأدب في 1905)، وريمونت(روائي حائز على جائزة نوبل في الأدب للعام 1924)، وميووش(نوبل في الأدب1980)، و شيمبورسكا(نوبل في الأدب 1996)،و هربرت، وروزيفيتش، وفايدا(المخرج السينمائي الشهير وحامل الأوسكار)، وغروتوفسكي(أحد أكبر مؤسسي المسرح الجديد في العالم بعد ستانيسلافسكي)، وكانتور(المخرج الطليعي المشهور) وغومبروفيتش الروائي الشهير، وشوبان(الموسيقار الذائع الصيت)، والكاتب المسرحي مروجيك، وآخرين سواهم. قامت بتنظيم المؤتمر المذكور مؤسسة الكتاب البولندية بدعم من وزارة الثقافة و مؤسسات أخرى عديدة. انبثقت مؤسسة الكتاب بمبادرة ودعم من وزارة الثقافة البولندية، ومن بين أهم أهدافها المعلنة التعريف بالأدب البولندي ترجمة وتسويقا. جرت أعمال المؤتمر في جامعة ياغيلونسكي(أقدم جامعة في بولندا) و كذلك في مؤسسة (فيللا ديسيوس)الداعمة لنشر الثقافة البولندية، باستضافة ورشات عمل المؤتمرالتي توزعت على الشعر، والقصة والرواية(بما في ذلك قصص الخيال العلمي)، والمسرحية، والنقد، بالإضافة إلى التعريف بما هو جديد على صعيد النتاجات الآنفة الذكر، وعلى مدى ثلاثة أيام متتالية. في إحدى قاعات مجمع جامعة ياغيلونسكي الكراكوفية التي غصت بالحضورأفتتح مدير مؤسسة الكتاب السيد (مارك نوفاكوفسكي) المؤتمر العالمي الأول لمترجمي الأدب البولندي الذي رحب بالضيوف، والمترجمين خصوصا، ومن ثم بوزير الثقافة البولندية ونائبة رئيس جامعة كراكوف وبقية الحضور، ثم أضاف قائلا: سعينا منذ سنوات لكي تكون للترجمة مكانتها باعتبارها أكثر قنوات الاتصال أهمية في ثقافتنا المعاصرة. وتساءل: ماذا علينا عمله لكي يكون الأدب البولندي معروفا في الأماكن غير المتواجد فيها؟ ثم بيّن أن هناك 800 مليون كتاب في العالم وحصة بولندا منها 22 ألف عنوان سنويا، وهذا يحتاج إلى الزيادة. بعدها ألقت البروفسورة ماريا شيفتشيك نائبة رئيس جامعة كراكوف التي باركت المؤتمر والمؤتمرين ونوهت بأهمية المؤتمر الاستثنائية وبدور المترجمين الكبير في نقل التراث الإنساني والعلمي وبزيادة التفاهم بين بني البشر، معتبرة عقد المؤتمر بمثابة انجاز استثنائي لبولندا ولكراكوف وللجامعة التي تبنت افتتاحه، لما للترجمة من دور خطير في حياتنا المعاصرة، قائلة:" بأن في هذه اللحظة عيدين، عيد بمناسبة مرور أكثر من ستمائة و أربعين سنة على تأسيس جامعة ياغيلونسكي، وعيد بمناسبة عقد أول مؤتمر لمترجمي الأدب البولندي في مدينة كراكوف"، واستشهدت بمقولة بولندية قديمة كتبت باللاتينية سُكّتْ عليها المقولة البولندية التالية: محظوظ هو البلد الذي لديه مبدعون كبار" وأضافت قائلة: "ومحظوظ هو البلد الذي لديه مترجمون كبار" . بعدها ألقى السيد فالدمار دونمبروفسكي وزير الثقافة البولندي كلمة مسهبة تحدث فيها عن مؤسسة الكتاب ودور الكتاب والكتّاب والمترجمين في صنع الحضارة الحديثة، قائلا وهويخاطب المترجمين: إن هذا هو يومكم وأمامكم مهمة شاقة وخطيرة للاضطلاع بها، ولا أحد سواكم يمكنه القيام بها. وقال:"أنا سعيد برؤيتكم جميعا، شعراء، وكتابا. عددكم حوالي 180، أنتم فصيل مهم، لذا فنحن ممتنون لكم، لكل دقيقة ويوم ولحظة تقظونها وأنتم تترجمون الأدب البولندي. كل كاتب حقيقي هو مترجم، وكل مترجم حقيقي هو كاتب(...)بدون الكتاب والشعراء من الصعب أن تقوم الثقافة(...)وأنتم ستبقون مصدرا للأمل والإبداع".
بعد الافتتاح الرسمي، ألقى الكاتب والصحافي البولندي المعروف ريشارد كابوشتينسكي محاضرة ثرية، بعنوان" المترجم: شخصية القرن الحادي والعشرين"، أشاد فيها بقوة بالدور التاريخي للمترجم مشيرا إلى أن " مكان المترجم في السلّم الأدبي كان بعيدا، والمترجمون غالبا ما كانوا مجهولين، لقد نسيت أسماؤهم أو تم تجاهلها والاقتصار على مستهلها، أو استبدالها بأسماء مستعارة. عدا استثناءات محدودة، نعرف النزر اليسير أو لاشئ عن أولئك الذين- وهم يترجمون- قد حافظوا على النتاج الكبيرمن الأدب القديم، وفيما بعد نتاج العصور الوسطى، كما أنهم نقلوا لنا تراث الآداب غير الأوروبية.. نعم، نحن نتذكر الكتب المطبوعة في القرنين التاسع عشر والعشرين وهي غفلٌ من أسماء مترجميها، وليس الممقصود هنا الأدب الشعبي والمنشورات العادية، بله أهم الالعناوين الأدبية والعلمية. هذه الوضع بدأ بالتغير نحو الأحسن في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وطرأ عليه تحول راديكالي معزز بالنجاح في السنوات الأخيرة من ذلك القرن، جراء بروز عدة عوامل في نفس الوقت، أولها: انتهاء الحرب الباردة التي جمدت الوضع العالمي لمدة نصف قرن، حائلة دون قيام علاقات بين الشعوب والثقافات، بما في ذلك العلاقات اللغوية(...). ثانيها: سمح انفتاح العالم من جديد بأن يرى ويتحسس بشكل أفضل ما فيه من تنوع وتلابس، خصوصا، تعدديته الثقافية(وفي ذات الوقت تعدديته اللغوية). بالتأكيد، كان هذا الأمر معروفا قديما، منذ زمن العهد القديم، و برج بابل، وتم التعامل مع هذه القضية، لكنه اعتبارا من نهاية القرن العشرين، نشأ وعي عام، وعي كوني بالتعددية الثقافية واللغوية للجنس البشري".
ويرى كابوشتينسكي بأن شخصية المترجم تبرز للسطح، وسيشرع الجميع بالنظر إليها، وهذا أمر طبيعي، لأن الحوار والتعرف والتفاهم يصبح بدون المترجمين غير ممكن. "هناك دور خاص في هذا المجال لمترجم النصوص، مترجم الأدب، لأن حضارتنا بالرغم من الأهمية الكبيرة للصورة والصوت، إلا أنها حضارة نص، وكلمة مكتوبة و محفوظة بفضل الطباعة". " اللغة شئ مهم وقيم، اللغة أكبر كنز ثقافي، كما أن دور المترجم كسفير يتم حينما يترجم إلى لغة غير شائعة".
بعد تلك المحاضرة القيمة، تمت مناقشة موضوع "تلقّي الأدب البولندي خارج الحدود" أدارها مجموعة من المترجمين، تحدثوا عن تلقي الأدب البولندي في كل من ألمانيا، فرنسل، روسيا، السويد، الولايات المتحدة الأمريكية. قال (أندرس بوديغارد) مترجم شيمبورسا إلى السويدية وسواها: "إن المترجمين أناس غير مرئيين" يعملون بتفانٍ وبدون ضجيج. دعا الشاعر والمترجم العراقي (هاتف جنابي) الذي كان من بين أبرزالناشطين في المؤتمر، إلى تفعيل دور المترجم من خلال مساندته ودعمه معنويا وماديا بحيث يصير عمله"مرئيا"!على أساس أن الترجمة صنو الإبداع. كان اليوم الثاني تطبيقيا، متمثلا بتعدد الورشات المتخصصة. نذكر منها ورشة بحلقتين نظمتها معهد تشيسواف ميووش وأدارتها السيدتان: (أغنيشكا كوشينسكا) و(ماجدة هَيْدَل) بعنوان:" نتاج تشيسواف ميووش مترجما". حضره خمسة وعشرون مترجما، من بين أبرزهم، بودي غارد(السويد)، هاتف جنابي(العراق)، مارينا تروميتش(البوسنة)، بيلتران غيراردو(المكسيك)وجاك بوركو(فرنسا). شكلت قصيدة"إلى روبنسون جيفرز" التي كتبها ميووش سنة 1968 في بيركلي، مادة النقاش، بحيث قرئت في اللغات العربية، الصينية، العبرية، الروسية، التركية، اليابانية، وبالهندي. أثار حضور الشاعر والمترجم الهندي(آشوك فايبيي) إشكالية تتعلق بصلب الترجمة: هل يا ترى يمكن للمرء أن يترجم من لغة لايعرفها قراءة وكتابة ونطقا؟! عن هذا السؤال الملغوم، أجاب آشوك عن ذلك بالإيجاب، من خلال قراءته قصيدة ميووش بالهندي التي نقلتها إليه حرفيا رفيقته البولندية!!
الملاحظ أن الشاعر ميووشينتقل في هذه القصيدة من الخاص إلى العام وبالعكس، متنقلا بين عوالم متناقضة سواء على صعيد الطبيعة القاسية التي كان يعيش في كنفها الشاعر الأمريكي جيفرز(في مدينة شبه صحراوية صغيرة بالقرب من بيركلي، اسمها"الكرمل" بمواجهة المحيط الهادي) وبين عالم الخضرة والثلوج التي نشأ فيها ميووش، بين كائن ميووش الإنساني وكائن جيفرز اللاإنساني، ثمة صراع حول الدين وحديث عن الجمال.
قال الشاعر هاتف جنابي مترجم ميووش إلى العربية: "إنني أقرأ هذه القصيدة على أنها ذات مستويات متعددة: فكرية- فلسفية – دينية- جمالية( ثمة كثافة ملحوظة)،وتقاطعات وإسقاطات ثقافية، تاريخية- تراثية(على خط أمريكا-أوروبا، خصوصا الشرقية منها)، وصف دقيق يميل إلى النثرية لعالمين شعريين مختلفين يشكل الهم الإنساني نقطة التماس والاختلاف فيما بينهما. يبدو ميووش في هذه القصيدة شاعرا جامحا في تعبيره وطرح أفكاره، موظفا ما هو مختلف بينه وبين جيفرز في النظرة إلى البيئة والتاريخ والدين والجمال". في هذه الورشة التطبيقية اتضحت تجليات بعض المترجمين في تفكيك وفهم النص الأصلي ونقله إلى لغة ثقافة أخرى، بلغة و روح مقاربة للأصل. كما وبانت إخفاقات البعض الآخر، لأن هذا الآخر(المترجم) وهو يقرأ ميووشا بالصينية أو الكاتالونية أو اليابانية لا يمكنه أن يأسر من لايعرف هاته اللغات إلا بإيقاع قصيدته وطريقة إلقائها!! في اليوم التالي للمؤتمر جرت مناقشة ساهم فيها ممثلون من وزارة الثقافة البولندية والخارجية ومعهد آدم ميتسكيفيتش، تمحورت حول موضوع: عرض بولندا الثقافي إلى أوروبا: الأدب"عالج فيه المتناقشون سبل دفع عملية التعريف بالأدب البولندي في البلدان الأوروبية وعملية تسويقه،على أساس أن الثقافة البولندية هي أكبر وأغنى رأسمال تملكه بولندا. وأجابوا عن أسئلة المترجمين الداعين إلى دعم ما يقومون به من مجهود كبير بلا مقابل، حتى أن الشاعر هاتف جنابي أثار إشكالية تتعلق بقلة أو انعدام الدعم المقدم من الجانب البولندي للمترجمين: متسائلا : "منذ أكثر من سبع وعشرين سنة وأنا أترجم الأدب البولندي إلى العربية، وهناك بعض من زميلاتي وزملائي من لغات أخرى ممن يقوم بذلك منذ نصف قرن، وما زلنا ننفق من جيوبنا على توفير مستلزمات الترجمة، من كتب ومجلات وورق، أتساءل هنا أمام الجميع إلى متى سنبقى جنودا مجهولين عليهم أن يوفروا سلاحهم بأنفسهم؟" لقد غصت القاعة بالتصفيق وانبرى الآخرون لمناقشة هذه الحالة التي قال مدير مؤسسة الكتاب مارك نوفاكوفسكي: إن المعهد سيمد يد المساعدة مقدما التسهيلات الضرورية لمواصلة عمل المترجمين، وأشار إلى المنح المرصودة لتفرغ المترجمين وإلى الجائزة التقديرية السنوية التي خصصت لتكريم المترجم. تواصلت بعدها ورشات العمل والمحاضرات وكان من بين أكثرها متعة الورشة الخاصة بأعمال وحياة الكاتب البولندي الشهير(فيتولد غومبروفيتش)/يقوم هاتف جنابي حاليا بترجمة روايته"عبر المحيط" إلى العربية/. وورشة الرواية البولندية وكذلك مدرسة الريبورتاج البولندية.
تواصلت أعمال المؤتمر في اليوم الثالث على انعقاده وبنفس الوتيرة، وكانت هذه المرة ورشة"خفايا اللغة البولندية"من بين أكثر الورشات تشويقا، لما قدمته من مصطلحات ومفردات وتعابير لغوية مخادعة قد تواجه المترجم، خصوصا، البعيد جغرافيا عن اللغة البولندية.
في الحقيقة، شكلت أمسية اليوم الثاني من المؤتمر مسك ختامه. إذ تم فيها تقديم عرض موسيقي معزز بشاشة عملاقة ترتفع فوق المسرح تظهر عليها أسماء كتاب بولنديين مشهورين وعناوين بعض الكتب. بعد العرض الموسيقي الجميل، توجهت أنظار الحضور ومن بينهم شخصيات سياسية وثقافية بولندية وغير بولندية كبيرة، كانت الشاعرة (فيسوافا شيمبورسكا)الحائزة على جائزة نوبل في 1996 من بين أبرز الحضور، إلى رئيس مؤسسة الكتاب معلنا أن جائزة المؤتمر السنوية الوحيدة فاز بها المترجم الألماني (هنريك بريسكا)على مجهوده الضخم في ترجمة الأدب البولوني إلى اللغة الألمانية. قام بتسليمها له وزير الثقافة البولندية. وكان قرار لجنة التحكيم في محله، لأن الرجل قد قضى أكثر من خمسة وخمسين عاما من عمره البالغ ثمانين عاما، في الترجمة، حتى أنه صعد المسرح بعكازتين وبصعوبة بالغة. كانت قيمة الجائزة عشرة آلاف يورو، مع ميدالية مصبوبة من النحاس. وبريسكا شاعر ومترجم قام بترجمة أكثر من ثمانين كتابا من الأدب البولندي إلى اللغة الألمانية. كان عدد المرشحين للجائزة أكثر من ثلاثين مترجما من بينهم الشاعر هاتف جنابي الذي هنأ بريسكا بحرارة قائلا له: "إنك تستحق الجائزة بجدارة ومن دون منازع، أعرفك شخصيا منذ نصف قرن على الأقل وأعرف قيمة ما قدمته لنا جميعا".
كان المؤتمر انجازا قيما على صعيد التعريف بالثقافة والأدب البولنديين، وكذلك على صعيد تقييم دور المترجم" شخصية القرن الحالي"، وكان مناسبة مفيدة للغاية للمترجمين أنفسهم لتبادل الخبرة والمشورة في هذا المجال.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف