إيلاف+

"التنور" يستعيد مكانته بين العراقيين

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ماجد شاكر من بغداد: في ظل هوس العراقيين بالوظيفة، بسبب الرواتب الجيدة التي يتقاضاها العاملون في القطاع الحكومي، لم تجد العائلة العراقية بداً من اللجوء إلى المخابز لتأمين حاجتها من الخبز، بعد أن ظل " التنور " لعقود طويلة يحتل مكانا مهما في البيت، كما أن عملية " الخَبْز " تأخذ من ربة العائلة الكثير من الوقت لاسيما في ظروف الحصار الاقتصادي التي مر بها العراق قبل سقوط بغداد عام 2003.

وفي ظل انتشار المخابز العامة بدأ البعض يعتمد على الخبز المصنع رغم نحافته المفرطة وطعمه الذي يدل على إن عجينه لم يختمر جيدا.

تقول شيماء وهي معلمة "وفي كلامها نوع من السخرية"..هجرت " التنور " الى الابد.. لانه عمل متعب..

أما سمر محمد وهي موظفة حسابات فلم تعد تعبأ بالأمر، بعد أن زاد راتبها أضعافا ، وحين تعود الى البيت تجد أن الخبز قد أوصل طلبها من " الخبز " الحار والطري.

وأدركت النساء ان التعرض لنار "التنور" يفقدهن صفات جمالية ويكثر من انتشار "النمش" لهذا ابتعدن عن "الخبز البيتي".

وفي فترة السبعينيات أنحسر التنور في الكثير من مدن العراق ، وظل مقتصرا بشكل أكبر على النساء الريفيات..الا إن فترة الحصار والحروب وما سببه من انخفاض لقدرة العراقيين المعاشية ، زاد من الإقبال على "التنانير" من قبل نساء المدن أيضا ، بل أصبح لدى البعض حاجة مهمة .

وغالبا ما يتم تصنيع " التنانير الطينية" في القرى والأرياف لاسيما تلك التي تقع بجانب الأنهر وضفاف الشواطيء.
ومازالت العوائل في القرى والأرياف تقتني التنور الطيني برغم انتشار وتطوير تقنيات صناعة التنور الغازي .
يقول علاء حسين وهو صاحب مخبز .. نكهة رغيف الخبز بالتنور الطين أفضل من التنور الغازي، فضلا عن إن كلفة التنور الطيني أقل بكثير من سعر الغازي.

يقول حميد الجبوري وهو صاحب خبرة وتجربة أعوام في بناء التنور الطيني..

أن عملية بناء التنور الطيني لا تحتاج إلى وسائل خاصة ، اضافة الى عملية بناء التنور لا تستغرق أكثر من يومين حتى يترك ليجف في الهواء ثم يصبح جاهزا للاستعمال.

الحاجة "أم تغريد" تروي تجربتها مع صناعة التنور التقليدية ، حيث يمثل ذلك موردا لها تقول.. تنور الطين يصنع عادة من مادة الطين" الحري "النظيف، بعد أن يخلط مع الأعشاب اليابسة أو الأنسجة الحيوانية لإكسابه قوة ومتانة.

تضيف أم تغريد.. أضع قاعدة التنور على أرض مستوية ونظيفة، ويكون بارتفاع قدم ونتركه ليجف بشكل كامل أولا لكي نكمل المراحل التالية.
وتضيف.. عملية البناء التالية يشاركني فيها أفراد العائلة لكن "الاساس" اصنعه بنفسي لأنه عملية دقيقة جدا ولابد أن يكون متينا حتى لا يهوى التنور.

والتنور يأخذ شكلا اسطوانيا في الغالب،عريض من الأسفل ثم يضيق من الأعلى، كما نضع فيه فتحة لإيقاد النار إضافة إلى أنها مهمة جدا لغرض التهوية.

وتنتشر المخابر في المدن العراقية بشكل كبير وغالبا ما يكون "الخباز " عملة نادرة ، وصاحب خبرة وتجربة طويلة لانتاج رغيف خبز مدور وناعم وابيض ورقيق أيضا يخلو من
الحرق أو المناطق الفارغة.

ويحتوي المخبز تنورين على الأقل ، ويحتاج إلى أربعة أشخاص لإدارتهما بصورة صحيحة.

وفي قرى العراق وبعض مدنه فان " الكرب " وسعف النخيل وقودا مثاليا للتنور . ولابد من الوصول بدرجة الحرارة الى نقطة وعينة لكي لا يسقط الخبز ، وتستخدم وسادة من القماش لتنظيف سطح التنور الداخلي من الخبز الذي يحترق.

وينظر عراقيون إلى التنور بعين الاحترام والاجلال لما يمثله
من أهمية خاصة للبيت العراقي ويعدونه مصدرا للخير والبركة.
وبحسب سليم الاسدي وهو باحث في التراث فان التنور العراقي بشكله الحالي يعود إلى الحقبة السومرية.

ويرجع البعض العودة الى التنور الطيني إلى عدم توفر الغاز السائل في أوقات كثيرة.

وسليمة حمدي وهي ربة بيت تمتلك تنورا هو مصدرها في العيش بعد وفاة زوجها.

تقول سليمة .. اصنع الخبر لبعض العوائل والمطاعم القريبة، وهذه " الصنعة " هي مصدر عيشي الوحيد ، بعد أن تعلمتها على يد امرأة ريفية.

وتضيف .. بعض العوائل لا تتذوق خبز التنور الغازي ، أو المعمول في الأفران الصناعية وتطلب مني أن أوفر لها ما تحتاجه من الخبز يوميا.

لكن ثمة نساء لايتمكن من صنع الخبز بأيديهن، فـ(أم زهراء) تعاني من مرض "الحساسية " بسبب الدخان المتطاير . وهي تتألم لأنها لم تعد تقترب من التنور الذي له قدسية خاصة عندها.

يقول صاحب فرن صمون الغدير أن الطلب على الخبز ازداد في الفترة الاخيرة ، وبسبب ذلك يضطر أصحاب الأفران إلى اختصار فترة "التخمر" مما يفرز طعما غير محبب في الخبز .
ويضيف.. نضطر إلى خلط أنواع من الطحين الجيد والرديء لان الاعتماد على الجيد فقط لا يفر ربحا.
ويضيف.. نعاني من عدم توفر الوقود وانقطاع التيار الكهربائي.

ويقول بائع " التنانير " أبو قاسم إن الإقبال على شراء التنور قد زاد عن فترة الثمانينيات من القرن الماضي والتسعينيات أيضا.. فرغم تحسن الوضع المعاشي للناس الا أن هناك من يفضل الخبز البيتي ...وذلك لعدم التزام أصحاب الأفران والمخابز بالشروط اللازمة لإعداد رغيف الخبز. ويتوقع أبو قاسم إن المستقبل سيشهد عودة كبيرة إلى الخبز البيتي إذا ما استمر الأمر على ما هو عليه اليوم.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
...
لور -

اقرأ هذا الموضوع اثناء استراحتي في العمل... وجعلني منظر الخبزة بالتنور اتضور جوعا واكاد اشم رائحته، آخر مرة اكلت فيه هذا الخبز الشهي كانت من اكثر من 10 سنوات... اراه شيئا محزنا ان يثير مجرد صورة تنور وخبزة اشجان كثيرة عند العراقيين

احلى الخبز
غافر -

مااشهى واحلى رغيف الخبز بيد امي العراقيه هذة المرأه الجليله وهذا الرغيف الذي عندما انظر اليه احس بلمة الاخوان والحنين اليهم وحظن امي الدافي التي عندما كنا صغارا تقوم بهذة الاعمال وتنادينا حتى نكون حولها لاطعامنا احلى القرص ومااحلاك يارغيف امي شكرا على الجهود المبذوله من قبل كاتبكم وله مزيد من التقدم والرقي لانه اثار اشجاني وانا في الغربه وشكرا الى مجلتكم الموقره

علي الديواني
علي الديواني -

بالبداية موضوع ممتع يبين اصاله التنور الرافدي شكرل لكم على تقديم هكذا مواضيع تراثية شيقة هادفة الى امتاع جمهوركم تحية من الاعماق مع الشكر للكاتب والمحرر مع اعتزازي مجلتكم الغراء

nero
nero -

فى مصر مثلهم فى منطقه سياحيه فتحوا محل فى حجم الكشك يعمل اى شئ لمن يريد مثل خبز او فطير هو يدفع و هم يشتروا

التنور
خالد البغدادي -

السلام عليكم اولا عاشت اديكم على هلموضوع الجميل ولي رجعنه للطفوله من كنه نتجمع على امهاتنا في وقت الخبز وكنه نعتبرها شي ممتع وهو بلفعل ممتع هذا غير طعم الخبز الجميل ومنو ياخذ اول خبزه اسف على الاطاله مع شكري الجزيل للكاتب ماجد شاكر على كتاباته الجميله نتمنه ان ترجع هذه العادات ونستغني عن الصمون

كلمات لها معنى
سهام -

تعلم المهنة فانه يوشك احدكم ان يحتاج الى مهنه وان الماضي يبدو جميلا لانه انتهى ولن يعود وفي العمر لحظات سعيدة تمر هذه اللحظات وكانها ومضة امل وكانها بريق سرعان مايتلاشى وان كاتبكم الجليل ارجعنا الى الطيبة وفطرة الانسان العراقي فمزيد له من التواصل مثل هكذا مواضيع شكرا لكاتبكم ولمجلتكم الغراء التي تبحث عن الاصاله تحياتي للجميع

خبز العراق طريق الحر
نوفل البغدادي -

جميل هذا الموضوع وأثار فينا - ونحن عراقيوا المهاجر - الكثير من الأوجاع والحنين، إلى أيام جميلات خلت، وأكاد أجزم، أن كل العراقيين الذين قرأوا هذا الخبر، قد فاضت مقلهم بدمع من حنين وحزن وألم، وشوق. ما زلت أذكر كيف أرتمي بأحضان جدتي الحبيبة في الحديقة خلف المنزل واستمتع بالخبز الحار من يديها الطاهرتين، وكيف كنت أجمع لها الحطب للتنور. على كل السياسيين في العراق أن يتعلموا من التنور، ويدركوا أننا - كل العراقيون - واحد. لا فرق بين سني وشيعي وصابئي ومسيحي وكردي ويزيدي، كلنا واحد، والعراق الغالي سيلعق جراحه الكثيرات، وينهض دوما، كعادته - فهو سيد الحضارة ومنارة العلم وقلعة التراث والأدب والفكر.