صحة

الخبز الأسود في الجزائر: صحيّ وأصيل

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك


للخبز الاسود في الجزائر فوائد صحية عديدة الامر الذي أعاد خبزه في الافران.

كامل الشيرازي من الجزائر: بعدما كان يعتبر في السابق منتوجًا من الدرجة الثانية لا يستحسنه سوى سكان الأرياف، بما أدى إلى احتجابه بشكل شبه كلي عن العادات الاستهلاكية للجزائريين، يعرف "الخبز الأسود" حاليًا إقبالا واسعًا في الجزائر، بما أنعش جمهور الخبّازين الذين عادوا إلى تحضيره، تمامًا مثل عائلات جزائرية تتفنن في طهي الخبز الأسود على طواجين الطين التقليدية، وإعداده وفقا للتقاليد، مثلما يحرص حرفيون على توفيره في الأسواق الشعبية أو على حواف الطرقات ومداخل القرى والمدن.

يصف عمي مقران (75 سنة) عميد الخبّازين في الجزائر، أنّ الخبز الأسود هو خبز كامل يعكس أصالة بلد بأسره، ما سمح بعودة قوية لهذا الخبز الريفي التقليدي الذي يُطهى داخل أفران مصنوعة بالبلاط بدل الأفران الرحوية التي تنتج سائر أنواع الخبز الطويل المقرمش، ويضيف الشيخ مقران صاحب نصف قرن من الخبرة لـ"إيلاف"، أنّ الخبز الأسود يحضر عادة بالقمح الصلب الكامل والشعير والجودر أو النخالة (دون نزع غلاف الحبات) بما يفسر لونه الأسود، ويقبل كثير من الجزائريين على استهلاكه بنصيحة من أخصائيين في التغذية وأطباء لطالما دعوا بالتخلي شيئا فشيئا عن الخبز المسمى "الأبيض".

ويقترن الخبز الأسود في مخيال الباحث "فارس بن خليف" بذاكرة الجزائر القديمة، حينما كان السكان المحليون قبل عشرات السنين يقومون بتعتيق القمح عمدا داخل مطمورات بما يُنتج قمحا ذا رائحة وطعم خاص ويجري توظيفه لاحقًا ليس لصناعة الخبز الأسود فقط، وإنما لمختلف أنواع الغذاء كالكسكسي الأسود (يُطلق عليه محليا طعام المزّة).

ويقول الطبيب "محمد دوليبا" لـ"إيلاف"، إنّه غالبا ما يوصي مرضاه بالخبز الأسود، تبعا لما يحتوي عليه من فوائد صحية، في صورة كميات كبيرة من الألياف والسكريات البطيئة، بجانب قيمته الغذائية العالية بالنسبة للأشخاص ذوي الصحة الضعيفة، ويلاحظ "فريد حمامي" العامل في مؤسسة محلية مختصة في المنتوجات المخبزية، أنّ كثيرًا من مواطنيه لاسيما المسنين أو متبّعي الحميات الغذائية يفضلون اليوم تناول الخبز الأسود بدل الخبز الإفرنجي أو ما يُعرف بـ"الباجيت الفرنسية"، إذ لم يعد الجزائريون يتهافتون على الخبز الإفرنجي مثلما كان الحال في السابق، ويعتبره فتحي، رفيقا وسليما "ثقيلا على المعدة"، مقارنة بالخبز الكامل.

وأمام الطلب المتزايد على الخبز الأسود، يضطر بعض الأشخاص للنهوض باكرا أملا في نيل حاجتهم لدى خبازيهم المعتادين، على غرار سيد أحمد، علي، وعبد النور، هذا الأخير يقول وهو واقف في أحد الطوابير الطويلة:"أشتري الخبز الأسود منذ سنوات، لكن الملاحظ أنّ لون هذا الخبز أصبح فاتحا أكثر فأكثر، كونه يحتوي على كميات أقل من دقيق الشعير"، ويعزو صالح العارف بالخبز الأسود، ذلك إلى كون كثير من الخبازين اضطروا إلى تخفيض نسبة القمح الصلب، حتى يتمكنّوا من تلبية الطلبات المتزايدة وتطبيق المعايير التقنية الضرورية لتحضير العجينة، ويوضح صالح:"نظرا لكون دقيق الشعير خاليا من الغلوتين، فإنّه يتطلب في كل مرة إضافة كمية من الطحين ليختمر"، علما أنّه إذا ما أراد شخص ما الحصول على رغيف صغير من الخبز الأسود، فإنّه يتمّ إعداد عجينة تطهى عادة في "الطاجن" أو على "الطابونة" وهي موقد صغير.

ويشكّل الخبز الأسود نشاطا مربحا بالنسبة لعموم الخبازين وحتى العوائل الجزائرية المعوزة، فهذا الخبز هو مصدر رزقمهم لهذه العائلات ما يجعل العديد منها تشمّر عن سواعد نسائها وبناتها للوفاء بالمطلوب، ومعها تقرّ نصيرة، فوزية وحميدة وهنّ ربات بيوت أنهنّ حولنّ منازلهنّ إلى ورشات حقيقية لتحضير هذا الخبز الرائج جماهيريا، وبهذا استطاعت عوائل محدودة الدخل من سكان المدن الكبرى وكذا القرى، تحصيل موارد مالية محترمة تعينها على سدّ متطلبات أفرادها المتزايدة.

وفي الوقت الراهن، تلجأ العديد من النساء الماكثات بالبيت إلى هذا النوع من الطهي في الأرياف وفي المدن على حد سواء لتحضير الخبز الأسود الذي يبعنه لتجار يعيدون بيع الخبزة الواحدة بسعر يتراوح ما بين 20 و30 دينارا.

ولعلّ هذا النشاط المربح يفسّر اتساع رقعة العشرات من المخبزات الصغيرة المتخصصة في بيع الخبز الأسود، واجتاحت هذه المخبزات مختلف الحواضر الكبرى من العاصمة ومليانة إلى القليعة ومستغانم وغيرها، ولكونها صارت معروفة ولها شعبيتها لدى محبي الخبز الكامل، فإنّ هذه المخبزات تشهد توافدا يوميا للزبائن الذين يتوافدون من مناطق بعيدة مثل عبد الغني ونذير ومجيد، ولا يتردد هؤلاء عن اقتناء خبزة واحدة من سميد القمح بسعر يصل الـ50 دينارا وخبزة من الشعير لا يزيد وزنها عن المئتي غرام بقيمة 35 دينارا.

ويعلّق بشير بمرح:"لا يهم السعر عندما يتعلق الأمر بصحة الانسان"، في حين يعتبر محمد أنّ الاستعداد الملحوظ لدى الزبائن، سمح لفئة جديدة من الخبازين بانتهاز الفرصة لتحقيق الربح من خلال بيع منتوج يكثر عليه الطلب على مستوى الأسواق المحلية وتدعم الدولة مادته الأولية.

بيد أنّ منظومة الخبز الأسود لا تخلو من مفارقات ونقاط ظلّ، حيث يلفت "فاروق" صاحب مخبزة صغيرة إلى تناقض غريب، إذ يقلّ سعر سميد الشعير عن سعر دقيق القمح، وهو واقع يصبّ في مصلحة المخبزات المتواجدة على مستوى التجمعات الريفية التي لا يزال أصحابها يستعملون الأفران الآجورية، وتكفل هذه الأخيرة صنع الخبز التقليدي بوزن 750 غراما أو 325 غراما الذي يطهى مباشرة على بلاطة الفرن.

ويكثر الطلب أيضا على هذا النوع من الخبز المسمى "خبز على البلاط" لا سيما من قبل محبي قطع الخبز المطلية بالجبن وعلى وجه الخصوص ما يصطلح عليه بـ(الكممبر)، كما تفضل ربات البيوت اقتناء هذا النوع من الخبز، لأنّ مدة حفظه أطول مقارنة بالخبز العصري الذي يتعرض للتيبيس والتليين بشكل سريع، ويُصبح في الحالتين غير قابل للاستهلاك.
ويبدي "سعيد" الخباز بحي لاكونوكورد، أسفًا كبيرًا لكونه تسرّع في استبدال فرنه التقليدي القديم بفرن رحوي، ولا يخفي شعوره بأنّه يحسد اليوم خبازين آخرين احتفظوا بأفرانهم القديمة ويتباهون بكثرة أنواع الخبز المعروضة لديهم، بينما يكتفي هو بعرض نوع واحد من الخبز، وما يزيد من حسرته، إقبال عدد كبير من الزبائن على تناول "الخبز الأسود" لما يجدون فيه من لذة وفوائد صحية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
الخبز الفاخر
همام -

الجزائريون والحمد لله لهم تقاليد عريقة في تحضير الخبز. فيكفي انهم يأكلون انواعا متعددة من الخبز الفاخر. فيكفي ان يدخل الانسان مخبزة ليرى بأم عينه انوع الخبز وهي معروضة باتقان ليقتني الجزائري ما لذ وطاب من الخبز. اما الخبز التقليدي فهو من الانواع الفاخرة ايضا ويحلو للجزائريين تناوله في مناسبات كرمضان. ويقدم كذلك في المطاعم الفاخرة.وحدث عن التقاليد الغذائية في المغرب العربي ككل سواء في تونس او الجزائر او المغرب.

nero
nero -

خارج الموضوع